( قوله تعالى :
فَسَأَكْتُبُها )
أي : أثبتها وأوجبها
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
[ الأعراف : 156 ] ) .
وفي معنى ذلك سائر ( ما قيدهم به من الصفات العلمية والعملية ) ، وفي التقييد إشارة إلى أنهما في صورة الاحتياط لا يبقى إنصاف الشخص بهما ، ( والطريق الآخر الذي ينال به هذه الرحمة ) التي وجب مثلها على اكتساب العلم والعمل الصالح مما يوافق الغرض ، ويلاءم الطبع ( طريق الامتنان الإلهي الذي لا يقترن به عمل ) ، أي : اكتساب علم أو عمل ، وهو الذي دلّ عليه ( قوله تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] ) إذ لا يخلو شيء مما يلاءم طبعه ، ويوافق غرضه ، مع أن في الأشياء ما لا يكتسب علما ولا عملا .
( ومنه ) أي : ومن هذا القبيل لا من عمل يكفر للسيئات ، قوله تعالى :
( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
[ الفتح : 2 ] ) ؛ لأنه عقله ، ففتح مكة ، وليس فيه عمل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن معناه :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[ الفتح : 1 ] لكي يجمع لك بين المغفرة تمام النعمة في الفتح ، وقيل : هو مردود إلى قوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ محمد : 19 ] ؛
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ،
وقيل : إلى قوله :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
[ النصر : 1 - 3 ] ؛ ليغفر لك اللّه ، وبعدهما ظاهر .
ومنها أي : ومن الرحمة الامتنانية ، وإن توهم كونها وجوبية ، وهما مؤكدا ، فلذا أنت الضمير ؛ ليعود إليها صريحا قوله عزّ وجل لبعض خواص عباده : ( « اعمل ما شئت ، فقد غفرت لك » « 1 » ، فاعلم ذلك ) ، ولا يتوهم أنه على العمل ، فإنه إنما يوجب الثواب وغفران الذنوب الكبائر ، إنما هو بالتوبة ، « واعمل ما شئت » أعم من الصغائر ، ولكن يكون لبعض الأعمال مزيد نور ينفي ظلمة المعاصي بالكلية ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم .
ولما فرغ من الحكمة الملكية التي بها كمال التصرف ، وعموم الرحمة وخصوصها ، وذلك يوجب كمال المناسبة بين الفاعل والمنفعل ، وهو يوجب التأنس الكلي له به عقبها بالحكمة الإيناسية ؛ فقال :
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .