أخرى ، وإن كان العقل يعتبرها معان زائدة تكون باعتبار وجودها ( قائمة بذات الموصوف ) ، مع أن تلك المعاني ليست موجودة في الواقع حتى تصير قائمة بذواتها أو بذات الموصوف بها ، ( وإنما هي نسب وإضافات بين الموصوف بها ) أي : بتلك المعاني النسبية ( وبين أعيانها المعقولة ) ، كالمعلوم والمقدور ، والمراد ما يتعقله الحق في الأزل قبل وجودها ، وهذه إشارة إلى أن هذه النسب ثابتة في الأزل ، فلا ينافي قدم الصفات .
ولما كان أحق وأرفع للإشكال ، إذ لا يلزم على هذا التقدير للفلاسفة والمعتزلة أصلا ، وهي من وجوه :
الأول : لو وجدت لافتقرت إلى الذات ؛ لقيامها بها ، فإن كان سببها الذات كانت قابلة وفاعلة معا ، أو غيرها افتقر الذات إليه ؛ لامتناع خلوها عنه .
أجيب : أن لا منع في كونه قابلا وفاعلا معا .
الثاني : إن كانت قديمة تساوت الذات في القدم مع التخالف في الماهية ، فيتركب كل منهما من جزئين ، كل جزء يشارك الآخر في القدم ، ويخالف بالخصوصية ، فيتركب كل منهما من أجزاء غير متناهية ، وإن كانت حادثة ، فلا تكفي الذات فيها لوجوب ذواتها بدوامها ، فلا تكون حادثة ، فتفتقر الذات إلى الغير لوجوب اتصافها بتلك الصفة المفتقرة إلى الغير .
أجيب : بأن الكلام أمر اعتباري خارج ، فالمساواة فيه مع المخالفة في الماهية لا يستلزم التركيب .
الثالث : إنما تمت الإلهية بدونها ، فهي فاصلة يجب نفيها ، وإلا لافتقر في تحصيل صفة الإلهية إلى الغير .
أجيب : بمنع الغيرية والإلهية عبارة عن هذه الصفات ، فلا معنى لافتقارها إلى نفسها .
الرابع : إن كملت الذات بنفسها ، فلا حاجة إلى الصفات ، وإلا كانت ناقصة بذاتها مستكملة بغيرها .
أجيب : بأن تكون الذات منشأ الصفات الكاملة عين كمالها .
الخامس : لو كانت له صفات كان الإله مجموع الذات والصفات ، فيكون مركبا .
أجيب : بأنه لا تركيب للذات مع صفة لا تغايره .
السادس : كفرت النصارى بتعدد الصفات ، إذ قالوا : إن اللّه جوهر واحد ذو صفات ثلاث هي الوجود ، والعلم ، والحياة ، وسموها أقانيم ثلاثة .
أجيب : بأنهم أنزلوها منزلة الذوات ، إذ جوزوا عليها الانتقال ؛ فإنهم قالوا : إن الكلمة ، وهي أقنوم العلم اتحدت حينئذ بالمسيح ، وتدرعت بناسوته بطريق الامتزاج ، أو الانقلاب ، أو الإشراق ، أو الظهور ، لكنهم جعلوا العلم بمنزلة الشمس من الذوات ، وجعلوا
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 552
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٥٥٢