ذلك ) التنصيص بأحد أي : بخلافة ( أحد من أبناء جنسه ) من الأنبياء فضلا عن خلفائهم وعن سائر الملوك .
( وإن كان فيهم خلفاء ) جامعون بين النبوة والولاية والخلافة ؛ لعدم اعتداده بخلافتهم بالنظر إلى خلافة هذا ، فلما اعتد بخلافته نص عليها ، ( فقال :
يا داوُدُ )
، فذكر اسمه العلم المزيل للشركة ، ثم أكد ذلك بالنداء المزيل توهم إرادة من يشاركه في الاسم اشتراكا لفظيّا ، وأتى بحرف النداء الدال على بعد المنادى مع أنه رتب على خلافته الزلفى عنده ، وحسن المآب للدلالة على بعد درجته عن إفهام غيره :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً
[ ص : 26 ] بذكر لفظ الخلافة المشعرة بالنيابة عن اللّه مشعرا بعظمتها بإسنادها إلى نون التعظيم المذكورة مقرنين مع التنصيص عليه بكاف الخطاب في الأرض التي هي وسط العالم والسلطان ، إنما يكون في وسط مملكته ، وهو محل الكون والفساد ، فيتم التصرف فيها بظهور الآثار المختلفة
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
الذين هم أشرف أنواع الخلائق ، وقد سخر لهم جميع ما في العالم
بِالْحَقِّ
لا بك ، وهو الحكم بما أعطاك الحق من الحكمة ، وفصل الخطاب ،
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى
.
ولما كان المشهور أن الهوى ما تميل إليه النفس بطبيعتها الأمارة ، وهو عليه السّلام معصوم عن ذلك لكمال حاله ، فلا حاجة إلى نهيه عما ليس من شأنه بينه ، فقال : ( أي : ما يخطر لك من حكمك ) بطريق العقل والقياس من غير وحي مني فيه أو في أصله ،
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
.
ولما كان المشهور أن الضلال في الحكم هو الأخذ بطريق الكفرة أو الظلمة ، وهو عليه السّلام معصوم عن ذلك بينه بقوله : ( أي : عن طريقي الذي أوحي به إلى رسلي ) ، فإن طريق العقل والقياس من غير أصل منصوص مبعد عن الطريق الإلهي الذي وضعه للوصول إليه ؛ فلذلك كان موجبا للعذاب الشديد .
[ ثمّ تأدّب سبحانه معه فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
[ ص : 26 ] ، ولم يقل : « فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد » ، فإن قلت : وآدم عليه السّلام قد نصّ على خلافته ، قلنا : ما نصّ مثل التّنصيص على داود ، وإنّما قال للملائكة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] ، ولم يقل : إنّي جاعل آدم خليفة في الأرض ، ولو قال أيضا مثل ذلك ، لم يكن مثل قوله :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً
[ ص : 26 ] في حقّ داود ، فإنّ هذا محقّق ، وذلك ليس كذلك ، وما يدلّ ذكر