فشواهد الإنسان في أحواله * ومآله لذوي البصائر يشهد
مقدار خردلة هذا هو القول الصّحيح * فكن متمسكا بالدّليل المرشد
بيتان من هذه الأبيات ليسا للمؤلف عفا اللّه عنه ، والباقي له ، وهما الأول والثاني .
فمن عرف نفسه والتباسها بالنقائص النفسية اشتغل بإصلاحها من عيوب البرية ، ومن لم ير لنفسه نقصا ولا عيبا وقع في عيوب الناس ظنّا وريبا ، وانخلع من كمال الإنسانية ، والتحق بنقصان العصبة الشيطانية ، وهذا لا سبيل إلى دوائه إذا هو كلف بدائه ، وللمؤلف عفا اللّه عنه :
إذا أحب العليل علته * أضاع فيه الحكيم حكمته
فلا يبالغ في اهتدا رجل * أعلمه ربّه هدايته
وما أحسن ما ذكر الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه في كتابه المسمى ب « التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية » « 1 » ، وهذا ترجمته :
التصوف - صافاك اللّه تعالى - أمره عجيب ، وشأنه غريب ، وسره لطيف ، لا يمنح لكثيف ، بل لصاحب عناية وتصريف ، وقول حق ، وقدم صدق ، له أمور وأسرار غطى عليها إقرار وإنكار ، وإنما سقنا هذه المقدمة توطئة لعلم التصوف على الإطلاق دون التقييد ، فإن الإنكار عليه شديد ، وشيطان المخالف له مريد .
فاعلم - شرح اللّه تعالى صدرك ونور سرك - أن مبني هذا الطريق على التسليم والتصديق ، حتى قال بعض السادة القادة من أهل هذا الطريق : لا يبلغ إنسان درج الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق أنه زنديق ، وانظر إلى قول الإمام زين العابدين رضي اللّه عنه :
يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثن
ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
فاشترط في إنكار هذا العلم النفيس رجالا سماهم مسلمين ، قد وقفوا مع الظن والتخمين ، وكيف لا ينكر على هذا الطريق ؟ وهل يبقى أثر للباطل عند ظهور التحقيق ؟
فمن تكلم في غير هذا المقام فإنما يتكلم على أضغاث أحلام .
ألم تر إلى قول سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : إن المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر ، وشتان بين من ينطق عن نفسه ودرسه ، وبين من ينطق عن ربه وكشفه ،
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم 3 ] ، فإياك وطلب الدليل من خارج ، فتفتقر إلى المدارج
هامش
( 1 ) طبع هذا الكتاب عدة طبعات ، وقد شرحه الشيخ الداموني ( تحت قيد التحقيق ) .