مستفاد لإعراضها عن الصلاح ، وإقبالها على الفساد ، فإنها خلقت ظالمة جاهلة ، وإلى كل ما لا يعنيها مائلة ، فإذا كان الإنسان بهذا النقصان ، وأنه لا يعرف شره من خيره ، فليشتغل بإصلاح نفسه دون غيره ، وللّه در القائل :
يا أيّها الرجل المعلّم غيره * هلا يكون لنفسك التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإن انتهت عنه فأنت حكيم
تصف الدّواء لذي السّقام من الضّنا * كيما يصحّ به وأنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى * بالرّأي منك ويقبل التعليم
وللمؤلف - عفا اللّه عنه - من جملة أبيات كتبها إلى بعض الإخوان :
إذا شئت أن تحيا حياة سليمة * من الموت فاجهد أن تصفى لنفسك
فما من حجاب يمنع العبد غيرها * فرضها تكن حيّا الآن كأمسك
فإن هي ارتاضت فبشرى وإن أبت * فما لك منها غير أطوار حسّك
ذلك أدنى عالم الملك رتبة * فلا ترض دارا تكن دارا لحبسك
ولهذا لم يذكر الإنسان في القرآن ، الذي لا شك فيه ولا ريب ، إلا مقرونا بالنقص والعيب كقوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً
[ المعراج : 19 ] ،
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
[ العاديات : 6 ] ،
إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
[ العلق : 6 ] ،
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[ العصر : 2 ] ،
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ
[ الإسراء : 83 ] ،
وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
[ الإسراء : 11 ] ،
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
[ الكهف : 54 ] ،
يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
[ القيامة : 5 ] .
وإذا كانت هذه صفات الإنسان بشهادة خالقه ، فالأولى أن يشتغل بتصفية خلائقه ، وترك علائقه .
ويكمل النّقصان من أخلاقه * برياضة في نفسه ويسدّد
فالنّقص في أصل الطّبيعة كامن * كالنّار في زند وذا لا يجحد
فسعادة الإنسان إن سبقت له * تلقاه مشتغلا بأمر يحمد
وإذا تقدّم لامرئ بشقاوة * تلقاه مشغولا بأمر يفسد