وَشَيْبَةً
فالجعل تعلّق بالشّيبة ، وأمّا الضّعف فهو رجوع إلى أصل خلقه وهو قوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
[ الروم : 54 ] ، فردّه لما خلقه منه قال تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحج : 5 ] .
فذكر أنّه ردّ إلى الضّعف الأوّل فحكم الشّيخ حكم الطّفل في الضّعف ، وما بعث نبيّ إلّا بعد تمام الأربعين وهو زمان أخذه في النّقص والضعف فلهذا قال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[ هود : 80 ] مع كون ذلك يطلب همّة مؤثّرة ، فإن قلت : وما يمنعه من الهمّة المؤثّرة وهي موجودة في السّالكين من الأتباع ، والرّسل أولى بها قلنا صدقت ، ولكن نقصك علم آخر ، وذلك أنّ المعرفة لا تترك للهمّة تصرّفا فكلّما علت معرفته نقص تصرّفه بالهمّة ، وذلك لوجهين : الوجه الواحد لتحقّقه بمقام العبوديّة ونظره إلى أصل خلقه الطّبيعيّ ] .
( فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمن ذلك الوقت ) ولما توهم في بداهة النظر كونه إشارة إلى زمن ضعف الهمة ، وهو مخل فسره بقوله : ( يعني من الزمن الذي قال فيه لوط عليه السّلام :
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
ما بعث نبي إلا في منعة من قومه ) يمنعونه من شرّ أعدائه ، ولا يتأتى ذلك إلا من قبيلة عظيمة أو من رئيسها ، ( فكان تحميه قبيلته ) أو رئيسها ( كأبي طالب ) ، فإنه وإن لم يسلم « 1 » كان ( مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، والذب عنه ؛ وذلك لإظهار منعة في الأصل ، وإن إظهار المعجزات من فعل اللّه تعالى للدلالة على صدقه ، وإنما كانت هذه الهمة البشرية متمناه له ؛ لأنه رأى حصولها في سن الانحطاط بعد ذهابها بذهاب سن النمو محالا بمقتضى الوعد الإلهي وسنته المستمرة ( بقوله ) :
أَوْ آوِي
( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً )
بصيغة التمني المعلق بالمحال كثيرا ( لكونه عليه السّلام سمع اللّه يقول ) في الكتب السالفة أو فيما أوحي إليه ما عبارته بالعربية :
( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ) ،
فلم يورد فيه لفظ الجعل ولم يعلق الخلق به بذاته بل بواسطة من التي لابتداء الغاية ؛ لتدل على أنه ( بالأصالة ) كأنه مبدؤه .
( ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ )
بإيراد لفظ الجعل وكونه بعد الضعف ، ( فعرضت القوة ) أي : فدل على أنه عرضت القوة على الضعف الأصلي ( بالجعل ) الطارئ ، ( فهي قوة عرضية ) من شأنها الزوال بالكلية عن محلها عند رجوعه إلى أصله بحيث لا
هامش
( 1 ) انظر في مسألة إيمان أبي طالب « أسنى المطالب في نجاة أبي طالب » للشيخ زيني دحلان ، وللسيوطي ، والبرزنجي ، وغيرهما مؤلفات في إثبات إيمان أبي طالب .