تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
ثم أشار - رحمه اللّه تعالى - إلى أنك لو شككت في كون هذا الملك حكمة لوط عليه السّلام ؛ ( فهو ) ما دلّ عليه ( قول اللّه تعالى ) حاكيّا ( عن لوط
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[ هود : 80 ] ) أي : همة روحانية مؤثرة أفاديكم بها ،
( أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ )
أي : مظهر الاسم الشديد الإلهي ناظر إلى أصله الظاهر فيه ، وهو الذي به قوامه يؤثر بشدته على من خالف أمره لئلا يخالف من بعده أمره ، ( فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه أخي لوطا ) « 1 » ، وإن طلب الشدة على قومه ليرحم من بعدهم بتخليصهم عن فعلهم فكان أخي في الرحمة » سيما من جهة كونه ناظرا إلى الذات الإلهية التي تجدد فيها الأسماء المختلفة ، ( لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) أي : أصل مقوم للاسم الشديد جامع لسائر الأسماء ، ( فنبه صلّى اللّه عليه وسلّم ) بقوله : « يرحم اللّه » في موضع يستحق الشدة في مقابلة الشدة ، لو كانت من نفسه ونسب ذلك إلى الاسم الجامع من حيث ( إنه كان مع اللّه ) ، وإن كان ( من ) جهة ( كونه شديدا ) إذ كانت شدته عين الرحمة بالنظر إلى الذات ، وبالنظر إلى من بعدهم ، وهذا بطريق الإشارة المخصوصة بالخاصة ( والذي قصد لوط ) عليه السّلام بطريق العبادة لتفهيم قومه ، ( القبيلة ) التي بهم قوام البشرية ( بالركن الشديد ) ، وقصد ( المقاومة ) معهم بنفسه ( بقوله :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
) أي : لمجموع هذا القول ، وهي أي القوة التي بها المقاومة ( هي الهمة هنا ) ، أي : فيما قصده لوط عليه السّلام بطريق العبارة لتفهيم قومه ، وليس المراد بها الهمة الروحانية هاهنا لبعدها عن فهمهم ، بل من ( للبشر خاصة ) ، إذ قد شاهدوها وسمعوا بها من قصص الأبطال ، وهي الهمة النفسانية الحاصلة من النفس الحيوانية . وإنما قال ذلك حين رأى ضعف الهمة من جهة البشرية والروحانية جميعا ، وهذا هو الغالب في الأنبياء ؛ لأن بعثهم إنما يكون بعد كمال المعرفة المانعة من تأثير الهمة الروحانية ، وبعد الأربعين ، وهو سن الانحطاط المضعف للهمة البشرية على أنه لو كان لهم إحدى الهمتين ، لقيل : إنهم سحرة أو أبطال غلبوا بسحرهم أو شجاعتهم . [ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمن ذلك الوقت ، يعني من الزّمن الذي قال فيه لوط عليه السّلام :
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
ما بعث نبيّ بعد ذلك إلّا في منعة من قومه ، فكان تحميه قبيلته كأبي طالب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقوله :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً
[ هود : 80 ] لكونه عليه السّلام سمع اللّه يقول :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ
بالأصالة ،
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ
فعرضت القوّة بالجعل ؛ فهي قوّة عرضيّة
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً
هامش
( 1 ) رواه عبد الرزاق في « المصنف » ( 9 / 211 ) .