فهو الكون كلّه * وهو الواحد الّذي
قام كوني بكونه * ولذا قلت يغتذي
فوجودي غذاؤه * وبه نحن نحتذي
فبه منه إن نظر * ت بوجه تعوّذي
ولهذا الكرب تنفّس فنسب النّفس إلى الرّحمن ؛ لأنّه رحم به ما طلبته النّسب الإلهيّة من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحقّ ، إذ هو الظّاهر ، وهو باطنها إذ هو الباطن ، وهو الأوّل إذ كان ولا هي ، وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهورها ، فالآخر عين الظّاهر والباطن عين الأوّل ،
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] ؛ لأنّه بنفسه عليم ، فلمّا أوجد الصّور في النّفس وظهر سلطان النّسب المعبّر عنها بالأسماء صحّ النّسب الإلهي للعالم ، فانتسبوا إليه تعالى ] .
ووصفه بقوله : ( الذي ما فوقه هواء ، ولا تحته هواء ) للإشعار بأنه ليس السحاب المتعارف ، وأنه لم يكن للحق حينئذ تعلق بالعالم العلوي الروحاني ، والسفلي الجسماني ، ولذلك ( كان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق ) ، وذلك أن أعرابيّا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق ؟ » قال : « كان في عماء ما فوقه ، وما تحته هواء » « 1 » ؛ ففيه تحديد للحق أو تقييد له بالأسماء والصفات قبل التقييد في ظهوره في سائر الكائنات .
( ثم ذكر أنه استوي على العرش ) ، قال تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] ، ( وهذا تحديد أيضا ) بظهور رحمانيته في الجسم المحيط بعد تحديده بعالم الأسماء والصفات ، وهذان التحديدان كليان ، ( ثم ذكر ) على لسان نبيه الذي لا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] ( أنه ينزل إلى السماء الدنيا ) قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا هل من داع فأستجيب له ، هل من مستغفر فأغفر له ، هل من سائل فأعطيه » « 2 » .
وهذا تحديد جزئي بظهوره في أقرب الأفلاك منّا ، والأفلاك هي الأسباب القريبة في عالم الكون والفساد ، فيظهر في أقربها لتقريب هذه الأمور في حق قائم الليل ، وذكر تحديد آخر بظهوره في عالم الكون والفساد ، وهو ( أنه معنا أينما كنا ) إذ قال :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ
هامش
( 1 ) رواه أحمد ( 4 / 11 ) ، والترمذي ( 5 / 288 ) ، وابن ماجة ( 1 / 64 ) .
( 2 ) رواه أحمد ( 2 / 433 ) ، والدارمي ( 1 / 413 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 2 / 134 ) .