تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
ثم أشار إلى أن هود عليه السّلام قد غلب فيه ظهور لاحق جدّا فرآه أقرب من كل شيء حتى صارت حكمته أحدية ، فقال : ( واعلم أنه لما أطلعني الحق ) أي : أطلع روحي وقلبي بالبصيرة ، وجواب الشرط « ما كلمني » ، ( وأشهدني ) أي : أشهد نفسي بطريق التمثيل في الحس المشترك عن الخيال « 1 » ( أعيان ) أي : أرواح ( رسله وأنبيائه ) عبّر عن أرواحهم بالأعيان ؛ لأنها لكليتها كالحقائق الصادقة على كثيرين ، وذكر الأنبياء بعد الرسل إشعار بأن الأولين لعظمة نورهم رآهم قبل تمام الكشف . فلما تمّ رأى الباقين ( كلهم ) بسطوع نور الكشف ( البشريين ) لكونهم أكمل من رسل الملائكة والجن على قول من يزعم أن فيهم رسلا منهم مع بعد المناسبة معهم ، فلا يكون وارثا لهم ( من ) لدن ( آدم إلى محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين ) احتراز بذلك عن علماء هذه الأمة الذين هم كأنبياء بني إسرائيل ، وهم الأولياء الذين يشبه كشفهم كشف الأنبياء ، فسماهم الشيخ أنبياء الأولياء مجازا ( في مشهد ) أي : عظيم واسع لظهور كلامهم ( أقمت فيه ) أي : لم يكن ذلك عن كشف ، وإخبار مني ب ( قرطبة ) مدينة بالمغرب ، أشار بذلك إلى كونه بعد كمال إشراق نور شمس الأحدية عليه ، فإنّ الشمس إنّما تغرب إلى المغرب بعد كمال إشراقها ( سنة ست وثمانين وخمسمائة ) أشار بذلك إلى أن تصنيف الكتاب كان بعد ذلك بمدة مديدة ازددت فيها كل يوم كمالا ، فاجتمعت تلك الكمالات فيه . ( ما كلمني أحد من تلك الطائفة إلّا هود عليه السّلام ) لمزيد مناسبته للشيخ رضي اللّه عنه ؛ ( فإنه ) الذي ( أخبرني بسبب جمعيتهم ) ، ولعله بيان كونه وارثا لأسرار علومهم وأحواله ( ورأيته رجلا ضخما ) لعظم شأنه ( في ) العلم والأحوال من كمل ( الرجال حسن الصورة ) لكمال ظهور جمال الحق فيه ، ( لطيف المجاوبة ) لكونه ناطقا بالحق عن الحق ، ( جازما بالأمور ) الحقيقية في نفسه ، ( كاشفا لها ) لقومه ، ( ودليلي ) الذي استدل به ( على ) إثبات ( كشفه لها قوله ) فيما حكاه سبحانه عنه :
( ما مِنْ دَابَّةٍ )
[ هود : 56 ] أي : متحركة تخرج من القوة إلى الفعل
( إِلَّا هُوَ آخِذٌ )
قابض
( بِناصِيَتِها )
رفائقها
( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] ) فيوصلها إلى قربه في صفة الجلال أو الجمال كشف عنه لأمته ليشعرهم بأنه
هامش
( 1 ) إن الشهود يتضمن الاطلاع ، لكن الاطلاع ينقسم إلى اطلاع متمكن وغير متمكن ، فالشهود المكرر في قوله : ( أشهدني ) هو ذو التمكين ، والشهود المألوف الدائم هو العاري عن التمكين ، لا كل حي شاهد في الظاهر ، فإذا كرر الحي الشاهد قوله : ( أشهدني ) عن الشهود المتمكن اليقيني ، لكن لا يطلق الشهود والمتمكن إلا عند تمكين المعرفة فليس قوله له : ( أشهدني ) مثل قول القائل : « أوقفني » و « أطلعني » لأن الاطلاع يطلق على تحصر البصر في قريب والدليل على ذلك أن كلما بعد عن البصر ، فإن البصر لا يحكم عليه بحصر أي : لا يحيط به .