وجها ) « 1 » خاصا من تجلياته أراد بذلك أن يعبد فيها ( يعرفه من يعرفه ، ويجهله من يجهله ) .
وليس ذلك الوجه في سائر المظاهر ، وإلا لعبدت أيضا ، وغلطوا في ذلك فإن الحق إنما أراد أن يعبده فيها من كان بينه وبين الحق حجاب فلا يراه إلا ( في ) هذه المظاهر القاصرة ، ويقتصر نظره عليها والدليل على أنه المعبود فيها بالحقيقة ما ورد في كتاب ( المحمديين ) ، وهو قوله تعالى :
( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] ) ، أي :
حكم ولا تبدل لحكم اللّه لكن عبادته بذاته حق ، وعبادة المظاهر باطلة لما فيها من التفرقة
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ يوسف : 39 ] ، ( فالعالم ) بظهور الحق فيها ( يعلم من عبد ) فيها بالحقيقة ، وإن قصد الغير ؛ لكن الجزاء إنما يترتب على القصد إذ له تأثير في المقاصد « إنما الأعمال بالنيات » « 2 » ، لا على ما وقع في الحقيقة ولو قصدوا عبادة الظاهر فيها ، فإن قصدوا ذلك لاختصاصها بالمظهرية أو لكمال مظهريتها فهو أيضا غلط فاحش ، وإلا فلا معنى لعبادتها .
[ وفي أيّ صورة ظهر حتّى عبد ، وأنّ التّفريق والكثرة كالأعضاء في الصّورة المحسوسة وكالقوى المعنويّة في الصّورة الرّوحانيّة ، فما عبد غير اللّه في كلّ معبود ، فالأدنى من تخيّل فيه الألوهيّة ؛ فلو لا هذا التّخيّل ما عبد الحجر ولا غيره ، ولذا قال :
قُلْ سَمُّوهُمْ
[ الرعد : 33 ] فلو سمّوهم لسمّوهم حجرا أو شجرا أو كوكبا ولو قيل لهم من عبدتم لقالوا : إلها ما كانوا يقولون اللّه ولا الإله ، والأعلى ما تخيّل بل قال : هذا مجلى إلهيّ ينبغي تعظيمه فلا يقتصر ، فالأدنى صاحب التّخيّل يقول :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
[ الزمر : 3 ] .
والأعلى العالم يقول :
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا
[ الحج : 34 ] حيث ظهر ،
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
[ الحج : 34 ] الّذين خبت نار طبيعتهم ، فقالوا : إلها ، ولم يقولوا :
طبيعة ،
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً
أي حيّروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ،
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
[ نوح : 24 ] لأنفسهم ، و
الْمُصْطَفَيْنَ
[ ص : 47 ] الّذين أورثوا الكتاب ، فهم أوّل الثّلاثة ، فقدّمه على المقتصد والسّابق ،
إِلَّا ضَلالًا
[ نوح : 24 ] إلّا حيرة ،
هامش
( 1 ) في نسخة : « موجود » .
( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 3 ) ، وابن حبان ( 2 / 113 ) ، والبيهقي في « السنن » ( 1 / 41 ) .