يستحق العبادة من غيره ؛ لأن غاية كماله أن يظهر بالعبودية التي هي أصله ، وقصدوا بذلك أن يجيبوه مكرا ( كما دعاهم مكرا ) من بعض الأسماء إلى بعض ، مع أنه أظهر أنه يدعوهم إلى اللّه الذي هو الكل ( فجاء ) الداعي ( المحمدي ) لإزالة صورة المكر في هذه الدعوة مع دعاية أمر الإرشاد ، ومنع المكابرة منهم ، ( وعلم أن الدعوة إلى اللّه ما هي من حيث هويته ) أي : تعين الإلهية الشاملة للأسماء كلها اللطفية والقهرية ، ( وإنما هي من حيث أسمائه ) يدعو من بعضها إلى بعض أي : من القهرية إلى اللطفية فاختار من اللطفية الاسم الجامع للأسماء اللطفية ؛ ( فقال :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] ، فجاء ) في هذه الدعوة ( بحرف الغاية ) ، وهو إلى من غير مكر ، وهو أنه ( قرنها ) أي : الدعوة إلى الغاية ( بالاسم ) الرحمن الشامل للأسماء اللطفية دون اسم اللّه الشامل لها ولغيرها .
والآية وإن وردت في الحشر فهو مرتب على أمر الدنيا ، إذ هي مزرعة الآخرة ( فعرفنا ) من هذه الدعوة المحمدية الجامعة لأنواع الكمالات الدالة على أنه ، إنما يدعو إلى الاسم الجامع للأسماء المفيضة لأنواعها ، وهو الذي رحم به الكل أولا فيجب الرجوع إليه آخرا ؛ لأن النهاية هي الرجوع إلى البداية
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة :
48 ] ، وهذا يشير إلى أن كل واحد من شرعته جاء في بدايته ( أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهي ) كلي رحم به على الكل فأخرجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود ، والرجوع إليه لا يمكن إلا بنور الفطرة .
ولذا ( أوجب عليهم أن يكونوا متقين ) عن الحجب الظلمانية الحاصلة من الاعتقادات الفاسدة ، والهيئات الرديئة من المعاصي الفرعية ؛ ليمكنهم الوصول بنور الفطرة إلى ذلك الاسم راكبين مطايا الاعتقادات الطيبة والهيئات الصالحة .
فلذلك قال :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] ، ( فقالوا في مكرهم ) في إجابة نوح لما دعاهم إلى من تنزه عن الكل مع ظهوره في الكل :
( لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
[ نوح : 23 ] ) ، إذ هي المظاهر لا غير في زعمهم أو هي الكاملة في المظهرية بحيث تستحق العبودية من المظاهر القاصرة ، وقد غلطوا إذ الإنسان أكمل منهم مع أن أصل المظاهر العبودية ؛ فحقها أن تكون عابدة لا معبودة ،
لا تَذَرُنَّ
[ نوح : 23 ] ) ، على الخصوص
( وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
[ نوح : 23 ] ، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق ) أي : من تجلياته ( بقدر ما تركوا من هؤلاء ) لانحصار المظهرية فيها في زعمهم ، أو لكونها مظاهر كاملة عندهم مستحقة للعبادة ، ( فإن للحق في كل معبود