لمظهر العبودية ، فتأدب بآداب الكمال واختص بأن كان هو حبيب المتعال ، وسر ذلك أن الحب أول توجه من الحق لوجود العالم ومحمد أول موجود صلى اللّه عليه وسلم فكان أول التوجهات مقاما لأول الموجودات .
الحب أول ذا الوجود المطلق * والحب أخرجكم خلق مرتق
بالحب كان الابتداء لوجودنا * وبه الختام لمن درى بتحقق
لولا مقام الحب أعلى رتبة * ما كان اسم حبيبه العبد التقي
فالحب علة كل أمر ظاهر * والحب شيمة كل عبد متقي
ليت شعري هل علمت لم أحب المعبود ظهور هذا الوجود ، أحبه لأنه أوجده نسخة جماله وجلاله فكان بوجود العالم ظهور كماله ، فأراد شهود باطن صورة نفسه في ظاهر الحس المجعول مرآة لقدسه ومظهرا لهيبته وأنسه ، فنفسه المحبوبة المشهودة وملاحته المطلوبة الموجودة ، وكذلك محبة آدم لحواء كانت لكونها خلقت من ضلعه شخصا مستوى ، فالمحبوب إذن له نفسه والمرغوب إليه حسنه المشاهد له حسه ، والروح المحمدية في محبتها للذات الإلهية غير الوصف المذكور والأمر المسطور إنما أحب ذاته ونفسه وصفاته ، وما ضرب ستار الغيرية بينه وبين الربوبية إلا لإبقاء المقام حقه ، فلا يقال إن خلقه حقه وهكذا يفعل كل أديب وعارف ولبيب فقوله :
« حبب إليّ النساء » إشارة إلى الذات ولا خفاء لأن المرأة مخلوقة من ضلع الإنسان وضلعه ذاته بلا خلف وجحدان ، والذات محبوبة بالطبع لكل أحد تأسيسا بمحبة الواحد الأحد ، ولذلك صح لمحمد استيعاب الكمالات من سائر الجهات ففاز بكمالات الوجود الخلقي ، فإن كنت مؤمنا فأنت منه لقوله : « والمؤمنون مني » « 1 » فلا تخرج عنه أطلب مطلوبه وارغب مرغوبه واحبب محبوبه تشرب مشروبه ،
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
، [ الأحزاب : 33 ] فاستيقظ يا هذا من هذه السنة .
إني رجعت إلى الحبيب بحبه * في حسنه الباهي البديع الأحسن
وذهبت في أوصافه غنى به * في شام معنى نعته والأيمن
ففنيت عني في بقاء جلاله * وبقيت عنه في الملاحة إذ فني
أعطيته ما كان لي بكماله * وأخذت منه ماله بتمكن
فتبدلت أوصافنا فينا بنا * من غير وصف تحقق وتكون
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .