تظن رحمته مخصوصة بالمسلمين والمؤمنين فإنه ليختلج في باطني أنه سيشفع في الخلق أجمعين . ألا تراه يقول صلى اللّه عليه وسلم : « آدم ومن دونه تحت لوائي ولا فخر » « 1 » ليت شعري هل يصل إلى من يكون تحت لواء محمد شيء من الشر ما هذا ظني بذلك العظيم القدر ، وقد صح أنه قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قد وعده أن يعطيه ثلاث حثيات بيده ممن قد استوجب النار » « 2 » . وأظن الأنس والجن بأجمعهم دون حثية من حثيات يد اللّه الملك الغفار .
ألا قل لمن أمسى سهير المعاطب * وحفت به الأهوال من كل جانب
بأحمد تنجو من بلاء تخافه * فلا تخش بالمختار هول المصائب
هو العاقب الماحي الذي عم فضله * جميع البرايا من عدو وصاحب
أتى آخرا إن السلاطين يا فتى * يكونون حقا آخرا في المواكب
كأن النبيين المحثين قبله * عساكره في الدهر بين الكتائب
فكل الورى للهاشمي رعية * هو السيد الراعي شرقها والمغارب
إليه مقاليد الأمور جميعها * بدنيا وأخرى ومعطي التلازب
عليه صلاة اللّه ما بلبل شدا * وغنت على أيك طيور الخوالب
لما بلغ عليه السلام عمرا تدرك في مثله الأحلام قيل له اترك رعي الشاء والأغنام فأنت الراعي الأعظم الحقيقي لسائر الأنام ، إنما جعل الرعي لك كالطريقة للتحقيق بما سبق لك في الحقيقة ، لا بد لظهور الأمر الموهوب من حركة منك أيها المحبوب ، فاسع بالجد كي تنال المطلوب . يا هذا احذر على غنم غنيمة الروح من ذئب شيطان النفس فلا تدع عصا مخالفتها من كنفك خوف النزغ والزيغ واللبس ، لولا ما أراد نبيك عليه السلام من تحريضك على مخالفة نفسك وحسن سياسة باطنك على الدوام لما قال لك مربيا بحكمته « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 3 » فالحواس الخمس والقوى الباطنة والجوارح الظاهرة جميعا رعية ، راعيها قلبك وعساكر مالك آمرها قلبك فاستعملها في الصالحات فالعدل بها أحرى . إياك أن تستعملها في الموبقات فتشقى بشقائها في الأخرى ذلك ظلم في حقها ، وأنت بجزاء الظالم أدرى .
العدل من شيم الكرام فلا تكن * يا سيدي فيمن وليت ظلوما
وأحسن سياسة أمر كل رعية * نسبوا إليك وكن بهن رحيما
فالناس مجزيون بالعمل الذي * هم عاملوه وكان ذا محتوما
هامش
( 1 ) رواه السيوطي : الدر المنثور ( 6 / 301 ) طبعة دار الفكر ، بيروت ، وأورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 11 ) طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت .
( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .