وقد ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إن اللّه تعالى قال له ليلة المعراج :
« لولاك لما خلقت الأفلاك » .
فعلم بذلك أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو الذي كان المقصود بالتوجه الحبي للمعرفة بالكنز المخفي وأن جميع ما سواه كانوا عطفا عليه ، فهو الأصل في مقصود الحب الإلهي وغيره كالفرع له ، ولأجل ذلك خصّه اللّه تعالى باسم الحبيب دون غيره ، وإنما أحبّ اللّه تعالى أمته الذين اتّبعوه بقوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] .
لأنهم مخلوقون منه كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا من اللّه والمؤمنون مني » « 1 » .
وهذه هي خصوصية من اللّه لأمة محمد دون غيرهم من سائر الأمم ، فإن اللّه أنكر على من ادّعى من الأمم الماضية أنهم أحباء اللّه ، وأثبت المحبة لاتّباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن كل أمة مخلوقة من نبيّها ولا حبيب إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم فاختصّت أمته بمحبة اللّه دون غيرهم .
واعلم أن الحب على الإطلاق له تسع مراتب في الخلق ومرتبتان في الحق :
المرتبة الأولى : في الحق تسمّى الحب باسمه ما لم تكن حركة لظهور أثرها ، فإذا حصلت تلك الحركة سمّي الحب إرادة ، فالحب الحقيقي والإرادة الحقيقية للّه تعالى ، ومراتب الحب في الخلق أولها الميل وهو انجذاب القلب إلى المطلوب ، وإذا زاد سمّي رغبة فإذا زاد سمّي طلباط ، فإذا زاد سمّي ولها ، فإذا اشتدّ ودام سمّي صبابة ، فإذا قوي واسترسل بالقلب في المعنى المراد سمّي هوى ، فإذا استولى حكمه على الجسد بحيث أن يفنى المحب عن نفسه سمّي شغفا ، فإذا نما وظهرت علاماته بحيث أن يفنى المحب عن نفسه وعن فنائه سمّي غراما ، فإذا استحكم ، وطفح ، وظهر ، وتمكّن تمكنا أفنى المحب عن نفسه وعن حبيبه أيضا بحيث يبقى الأمر شيئا واحدا وهو الحبّ المطلق سمّي عشقا .
وهذا أخر مقامات الخلق فيه ، فيصير المحب في هذا المقام حبيبا والحبيب محبا ، فيتلوّن كل منهما بصورة الآخر ، وذلك أن العاشق قد تمكّنت روحه بصورة المعشوق ، فتعلّقت
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه ، والكلام عليه .