فكان التوجّه الحبّي الأول صادر من الجناب الإلهي في إيجاد المخلوقات ، فالحب لبقية مقامات الكمال أصل وهي له كالفروع ، ولأجل أن المقام الأول الأصلي كان مخصوصا بالموجود الأول الأصلي فجميع الحقائق الإلهية إنما ظهرت بواسطة الحب ؛ إذ لولا ذلك لما وجد الخلق ، ولولا الخلق لما عرفت الأسماء والصفات والخلق ، إنما ظهروا بواسطة الروح المحمّدي كما سبق بيانه ، فلولا الحقيقة المحمديّة لم يكن خلق ، ولولا الخلق لم تظهر صفات الحق لأحد ، فلولا الحقيقة المحمّدية لما عرف اللّه مخلوق ولا ظهرت صفاته لأحد ؛ إذ لا أحد .
فالحبّ هو الواسطة الأولى لوجود الموجودات ومحمد صلى اللّه عليه وسلم هو الواسطة الأولى لظهور الموجودات كما بيّناه فيما سبق .
هامش
- كنزا مخفيا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتحببت إليهم بالنعم حتى عرفوني .
وفي كتاب « عقلة المستوفز » أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال : يا رب لم خلقت الخلق ؟
فقال له عز وجل : كنت كنزا مخفيا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني .
وذكره سيدي علي وفا في كتاب « مفاتيح الخزائن العلية » ، وابن غانم المقدسي في كتابه : « حل الرموز » وجماعة بلفظ كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت وتعرفت إليهم فبي عرفوني .
وذكره أبو زيد الفاسي في « تحفة الأكابر » أوائل الكتاب نقلا عن الشيخ محيي الدين البوني رضي الله عنه بلفظ :
كنت كنزا لا أعرف ، فخلقت خلقا فتعرفت إليهم فبي عرفوني .
قالوا : ومعنى قوله : خلقت خلقا . قدرت أعيانا تقديرية ، فتعرفت إليهم بجلالي وجمالي ، ودللتهم علي ، فبي مني إليهم عرفوني ، وكان هذا التعريف بلسان ترجمان القدم ، وهو الحقيقة المحمدية التي هي أصل الكل .
وقال الجيلي في « كمالاته » هذا حديث صحيح من طريق الكشف ، ضعيف من طريق الإسناد .
وقد أجمع المحققون يعني من أهل اللّه تعالى على صحته ، وذكره غير واحد منهم في مصنفاته ، انتهى .
وأما ابن تيمية من حفاظ الحديث فذكر أنه : ليس من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنه لا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف ، وتبعه بدر الدين الزر كشي ، والحافظ ابن حجر وغيرهما .
وقد وافقهم مؤلف « الإبريز » وقال : إنه لم يقله النبي صلى اللّه عليه وسلم .
ولعله أراد أنه لم يقله لفظا ، وإن كان له معنى ، أو أنه من كلام الكتب الإلهية لا من كلامه عليه السّلام راجعه وراجع « المقاصد الحسنة » للسخاوي رحمه اللّه . وانظر : جلاء القلوب ( بتحقيقنا ) .