فالسعادة والشقاوة إنما هما باعتبار الطريق الذي يكون فيه الوصول إلى اللّه تعالى ، وإلا فسائر النوع الإنساني ، من حيث الذات الإلهية وصفاتها ، خلفاء الكمال ، متصفون بأنواع الجمال والجلال . ومن ثم قيل : ( من سبقت له العناية ، لم تضره الجناية ) . يعني : أن النوع الإنساني المسبوق له بالعناية المشار إليها في قوله تعالى :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
[ الإسراء : 70 ] ، وقوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] - لم تضره الجنايات ، التي يتعذب بها في طريق وصوله ، الذي خلقه اللّه تعالى مجبولا عليه . فإذا وصل ، لم يجد ، لما مضى من التعب ، ألما .
قال الشاعر شعرا :
إن التجار إذا عادوا وقد ربحوا * أنساهم الربح ما عياهم السفر « 1 »
آفة هذا المنظر : ذلك الذهاب والرجوع ، فإنه ما خرج منه حتى يدخل إليه ، ولا انفصل عنه حتى يتصل ، ولا مضى حتى يرجع . فرجوعه إنما هو إلى نفسه ، وذهابه إنما هو فيها ، ووصله إنما هو بذات نفسه . والكمال منزّه عن مقتضيات هذه المعاني جميعها ، فلا تحصل هذه الأشياء إلا عن حجاب ، وترفعه العناية الإلهية لمن أهّله اللّه تعالى للكمال ، فيترقى عنها .
* * *
منظر ( المملكة )
لهذا المنظر خاصية عجيبة ، لازمة لكل من جعل في هذا المشهد : أن يدير بذاته العوالم بأسرها ، فتدور الأفلاك بأنفاسه ، وتجري الأمور على قدر قياسه ، وتقع الواقعات ، وتحدث الحوادث ، ويصعد الطالع ، ويهبط النازل ، ويكمل الناقص ، وينقص الكامل ، وتختلج الذرات ، وتهب الذاريات - بتصريف للّه ، منسوب إلى ذات هذا الولي ، الذي تجلى اللّه عليه في منظر المملكة ، فبقي أثر ذلك التجلي عليه :
هامش
( 1 ) هذا البيت هو للشاعر المملوكي محمد بن حمير جمال الدين ، شاعر اليمن في عصره ، مات في زبيد سنة 651 ه والبيت من البحر البسيط وهو :إن البسيط لديه يبسط الأمل * مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن