بالصفة والرحمة ، وذلك بعد أن انتصب له عرش الربوبية فيستولي عليه ، ويوضع له كرسي الاقتدار تحت قدميه فتسري رحمته في الموجودات ، وهو كرسي الذات قيوم الصفات يتلو من الآيات ،
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 1 » كل ذلك في عالم غيبه منزّها عن شكه وريبه معاينا لما في جيبه ، وهذا هو الفرق بين الصفتيين والذاتيين .
ومنهم من يتجلى اللّه عليه بالألوهية ، فيجمع التضاد ويعمّ البياض والسواد ، ويشمل الأسافل والأعالي ، ويحوي التراب واللآلي ، وعند ذلك يعقل الاسم والوصف ويجحد النشر واللفّ ، ويرى أن الأمر
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ، وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
« 2 » فطوى بيمينه وشماله كتابه
وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 3 » .
واعلم أن النور هو الكتاب المسطور يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء كما قال اللّه تعالى عنه في كتابه إنه
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
« 4 » .
واعلم أن لا سبيل أيضا بدون ذلك وأنه صراط اللّه فهو له هدى ولغيره ضلال ، فإذا خوطب بالأمرين واعتبر بالحكمين وسمي بالاسمين غربت النجوم الزواهر وهي في أفلاكها مشرفة دوائر . ومن خصائص هذا التجلي : أن العبد يصوّب آراء جميع أهل الملل والنحل ويعلم أصل مأخذهم ، ويشهد من سعد منهم كيف سعد ، ومن شقي منهم كيف شقى وبم شقى ، ومن أين دخل على كل من أهل الملل دواخل الضلال . ومن خصائصه أيضا أن يخطئ العبد جميع آراء أهل الملل والنحل حتى المسلمين والمؤمنين والمحسنين والعارفين ، ولا يصوّب إلا رأي المحققين الكمل لا غير . ومن خصائص هذا التجلي : أن العبد لا يمكنه النفي ولا يمكنه الإثبات ، ولا يقول بالوصف ولا بالذات ، ولا يلوى على الاسم ولا يحتاج إلى الرسم .
اجتمعت في هذا التجلي بالملائكة المهيمنين ، فرأيتهم على اختلاف مشاهدهم
هامش
( 1 ) آية ( 26 ) سورة آل عمران .
( 2 ) آية ( 39 ) سورة النور .
( 3 ) آية ( 44 ) سورة هود .
( 4 ) آية ( 26 ) سورة البقرة .