ثم رأيت في هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان ، فتأمل فيما أشرناه وتفكر فيما لغزناه ومن وجودك لا من خارج عنك ، فاطلب حلّ ما قد رمزناه .
وأما السماء الثالثة فلونها أصفر وهي سماء الزهرة ، جوهرها شفاف وأهلها المتلوّنون في سائر الأوصاف ، خلقت من حقيقة الخيال وجعلت محلا لعالم المثال ، جعل اللّه كوكبها مظهرا لاسمه العليم ، وجعل فلكها مجلى قدرة الصانع الحكيم ، فملائكتها مخلوقة على كل شكل من الأشكال ، فيها من العجائب والغرائب ما لا يخطر بالبال ، يسوغ فيها المحال وربما امتنع فيها الجائز الحلال ، خلق اللّه دور فلك هذه السماء مسيرة خمس عشرة ألف سنة وستة وثلاثين سنة ومائة وعشرين يوما ، يقطع كوكبها وهو الزهرة في كل ساعة مسيرة ستمائة سنة وإحدى وثلاثين سنة وثمانية عشر يوما وثلث يوم ، فيقطع الفلك في مضيّ أربعة وعشرين ساعة ، ويقطع جميع منازل الفلك الكبير في مسيرة ثلاثمائة يوم وأربعة وعشرين يوما ؛ وملائكة هذه السماء تحت حكم الملك المسمى صورائيل وهو روحانية الزهرة ، ثم إن ملائكتها محيطون بالعالم يجيبون من دعاهم من بني آدم ، رأيت ملائكة هذه السماء مؤتلفة لكن على أنواع مختلفة ، فمنهم من وكله اللّه بالإيحاء إلى النائم إما صريحا وإما بضرب مثل يعقله العالم ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بتربية الأطفال وتعليمهم المعاني والأقوال ؛ ومنهم من وكله اللّه بتسلية المهموم وتفريح المغموم ؛ ومنهم من وكله اللّه بالناس المستوحشين ومكالمة المتوحدين ؛ ومنهم من وكله اللّه تعالى بإضرام نيران الحبّ للمحبين في سويداء اللبّ ، ومنهم من وكله اللّه بحفظ صورة المحبوب لئلا يغيب عن عاشقه الملهوب ؛ ومنهم من وكله اللّه بإبلاغ الرسائل بين أهل الوسائل .
اجتمعت في هذه السماء بيوسف عليه السلام ، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفا عن رموز الأنوار عالما بحقيقة ما انعقدت عليه أكلّة الأحبار متحققا بأمر المعاني ، مجاوزا عن قيد الماء والأواني ، فسلمت عليه تحية وافد إليه فأجاب وحيا ثم رحب بي وبيا ، فقلت له : سيدي أسألك عن قولك :
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
« 1 » أيّ المملكتين تعني وعن تأويل أيّ الأحاديث تكنى ، فقال :
أردت المملكة الرحمانية المودعة في النكتة الإنسانية ، وتأويل الأحاديث : الأمانات
هامش
( 1 ) آية ( 101 ) سورة يوسف .