غالب حكم البشر ، لأنه كالثوب الأبيض ينطبع فيه أول ما يقع عليه ، وأول ما يعقله الطفل أحوال الظاهر من أهل الدنيا فينطبع فيه تشتتهم وتفرّقهم وانحطاطهم إلى العوائد والطبائع ، فيصير مثلهم وهو قوله تعالى :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
« 1 » فإن كان من أهل السعادات الإلهية وعقل بعد ذلك عن الحق تعالى الأمور التي تقتضيه إلى المكانة الزلفى والمراتب العليا ، فإنه يتزكى يعني يتطهر مما تدنس به من اكتسابه البشريات ، فهو بمنزلة من يغسل ثوبه مما طبع فيه ، وعلى قدر تمكن الطبائع من قلبه تكون التزكية ، فإن كان ممن لا تتمكن فيه البشريات والأمور العاديات كل التمكن ، فإنه يتزكى بأقل القليل فهو بمنزلة من لم يتمكن لون النقش في ثوبه فغسله بالماء فعاد إلى أصله ؛ والآخر الذي تمكنت منه الطبائع والعاديات بمنزلة من استولى النقش في ثوبه وتمكن منه فلا ينقيه إلا الطبخ بالنار والجص ، وهو السلوك الشديد وقوّة المجاهدات والمخالفات ، فهذا على قدر قوة سلوكه في الطريق ودوام مخالفته يكون تزكيته وصفاؤه وضعفه على قدر ضعف عزائمه في ذلك ، وهؤلاء الذين استثناهم الحق فقال :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
« 2 » يعني بما أودعناهم من الأسرار الإلهية التي نبهناهم عليها في كتبنا المنزلة على رسلنا ، وذلك حقيقة إيمانهم بنا وبالرسل ، وهو وقوعهم على نكتة التوحيد فآمنوا وعملوا ما يصلح للحضور مع اللّه تعالى من الأعمال القلبية بأحسن العقائد ودوام المراقبة وأمثالها ، ومن الأعمال القالبية كالفرائض والسلوك وعدم المخالفة ، فهذا معنى قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
« 3 » يعني أنهم نالوا ما هو لهم فليس ذلك بموهوب حتى يكون ممنونا بل ظفروا بما اقتضته حقائقهم التي خلقناهم عليها من أصل الفطرة ، فكل ما نالوه إنما هو باستحقاق جعلناه لهم ، ولو كان الكلّ من خزائن الجود فإن التجليات الذاتية لا تسمى موهبة ، بل هي أمور استحقاقية إلهية ، وإلى هذا المعنى أشار شيخنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه في قوله :
ما زلت أرتع في ميادين الرضا * حتى بلغت مكانة لا توهب
( ومنها ) : أن القلب لحقائق الوجود كالمرآة للوجه فهو عكسه ، يعني أنه لما كان العالم سريع التغير في كل نفس انطبع عكسه في القلب ، فهو كذلك سريع
هامش
( 1 ) آية ( 5 ) سورة التين .
( 2 ) آية ( 6 ) سورة التين .
( 3 ) الآية السابقة .