هذا الملك الذي هو أمرنا ، لأن هذا الملك اسمه أمر اللّه ، وإليه الإشارة في قوله :
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
« 1 » أي وجه من وجوهه . والنكتة أنه لما أطلق ذكر الروح في سؤالهم عنه بقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
« 2 » أطلق في الجواب فقال :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
« 3 » أي وجه من وجوه الأمر بخلاف روح محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنه قال فيه :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
« 4 » وذكره للاهتمام به ونكره لجلالة ذلك الوجه تنبيها على عظم قدر محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كما في قوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
« 5 » أفاد التنكير عظم ذلك اليوم ، ثم قال :
رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
ولم يقل : أوحينا إليك من أمرنا ، لأنه المقصود من الوجود لأن الروح هو المقصود من الهيكل الإنساني ، ثم أتى بنون الإضافة في قول :
مِنْ أَمْرِنا
كل ذلك تأكيدا وتنبيها على عظم قدر محمد صلّى اللّه عليه وسلم .
ثم اعلم أنه لما خلق اللّه هذا الملك مرآة لذاته لا يظهر اللّه تعالى بذاته إلا في هذا الملك وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته ، فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي ، وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب وأهل الأعراف ، اقتضت الحقيقة الإلهية في علم اللّه سبحانه أن لا يخلق شيئا إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور فلك ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه ، لا يتعرف ذلك الملك لأحد من خلق اللّه تعالى إلا إلى الإنسان الكامل ، فإذا عرفه الولي علمه أشياء ، فإذا تحقق بها صار قطبا يدور عليه رحا الوجود جميعه بحكم النيابة والعارية فاعرفه ، فإنه الروح المذكور في كتاب اللّه تعالى حيث قال :
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً
« 6 » ذلك اليوم الحق يوم يقوم هذا الملك في الدولة الإلهية والملائكة بين يديه وقوفا صفا في خدمته ، وهو قائم في عبودية الحق متصرّف في تلك الحضرة الإلهية بما أمره اللّه تعالى به ، وقوله :
لا يَتَكَلَّمُونَ
راجع إلى الملائكة دونه ، فهو مأذون له في الكلام مطلقا في الحضرة الإلهية لأنه مظهرها الأكمل ومجلاها الأفضل ، والملائكة وإن أذن لهم بالتكلم في الحضرة الإلهية لم يتكلم كل ملك إلا كلمة واحدة ليس في طاقته أكثر من ذلك ،
هامش
( 1 ) آية ( 85 ) سورة الإسراء .
( 2 ) سبق تخريج هذه الآيات .
( 3 ) سبق تخريج هذه الآيات .
( 4 ) سبق تخريج هذه الآيات .
( 5 ) آية ( 103 ) سورة هود .
( 6 ) آية ( 38 ) سورة النبأ .