فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
يعني هذا الروح المقدس الذي أقام اللّه به الوجود الكوني بوجود أينما تولوا بإحساسكم في المحسوسات أو بأفكاركم في المعقولات ، فإن الروح المقدس متعين بكماله فيه ، لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود ، فذلك الوجه في كل شيء هو روح اللّه وروح اللّه الشيء نفسه ، فالوجود قائم بنفس اللّه ونفسه ذاته .
واعلم أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته ، فالروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ ، ثم إن لذلك الروح المخلوق روحا إلهيا قام به ذلك الروح ، وذلك الروح الإلهي هو روح القدس ، فمن نظر إلى روح القدس في الإنسان رآها مخلوقة لانتفاء وجود قدمين ، فلا قدم إلا للّه تعالى وحده ؛ ويلحق بذاته جميع أسمائه وصفاته لاستحالة الانفكاك ، وما سوى ذلك فمخلوق ومحدث ، فالإنسان مثلا له جسد وهو صورته ، وروح وهو معناه ، وسرّ وهو الروح ، ووجه وهو المعبر عنه بروح القدس وبالسرّ الإلهي والوجود الساري ، فإذا كان الأغلب على الإنسان الأمور التي تقتضيها صورته ، وهي المعبر عنها بالبشرية وبالشهوانية ، فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني الذي هو أصل الصورة ومنشأ مخلها حتى كادت أن تخالف عالمها الأصلي لتمكين المقتضيات البشرية فيها ، فتقيدت بالصورة عن إطلاقها الروحي ، فصارت في سجن الطبيعة والعادة ، وذلك في دار الدنيا مثال السجين في دار الآخرة ، بل عين السجين هو ما استقرّ فيه روح ، لكن السجين في الآخرة في سجن محسوس في نار محسوسة ، وهي في الدنيا هذا المعنى المذكور ، لأن الآخرة محلّ تبرّز المعاني فيه صورا محسوسة فافهم . وبعكسه الإنسان إذا كان الأغلب عليه الأمور الروحانية ، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والمنام والكلام وترك الأمور التي تقتضيها البشرية ، فإن هيكله يكتسب اللطف الروحي ، فيخطو على الماء ويطير في الهواء ولا تحجبه الجدران ولا يقصيه بعد البلدان ، ثم تتمكن روحه من محلها لعدم الموانع وهي الاقتضاءات البشرية فيصير في أعلى مراتب المخلوقات ، وذلك هو عالم الأرواح المطلقة عن القيود الحاصلة بسبب مجاورة الأجسام ، وهي المشار إليها في الآية بقوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ
ثم غلبت عليه الأمور الإلهية من شهود ما للّه ، وذلك أسماؤه الحسنى وصفاته العلا مع تلك الأمور التي تقتضيها البشرية والروحانية صار قدسيا ، فإن البشرية تقتضي الشهوات التي يقوم هذا الجسد بها والأمور التي يعتادها الطبع ، والروحية تقتضي الأمور التي يقوم بها ناموس الإنسان من الجاه