تعالى ، والقدم عبارة عن انتفاء مسبوقية اللّه تعالى بالعدم ، فالأزل إنما يفيد أنه قبل الأشياء ، والقدم إنما يفيد أنه غير مسبوق بالعدم في نفس قبليته على الأشياء ، فلا يكون الأزل والقدم بمعنى واحد فافهم .
إنّ القديم هو الوجود الواجب * والحكم للباري بذلك واجب
لا تعتبر قدم الإله بمدة * أو أزمن معقولة تتعاقب
فانسب له القدم الذي هو شأنه * من كونه ذلك حكم من هو واجب
معناه أنّ وجوده لا مسبق * بالانعدام ولا قطيع ذاهب
بل إنّه لغنائه في ذاته * يسمّى قديما وهو حكم دائب
الباب الحادي والثلاثون : في أيام اللّه
أيام الحق تجلياته وظهوره بما تقتضيه من أنواع الكمالات ، ولكلّ تجلّ من تجلياته سبحانه وتعالى حكم إلهي هو المعبر عنه بالشأن ، ولذلك الحكم في الوجود أثر لائق بذلك التجلي ، فاختلاف الوجود أعني تغيره في كل زمان ، إنما هو أثر للشأن الإلهي الذي اقتضاه التجلي الحاكم على الوجود بالتغير ، وهو معنى قوله :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
واعلم أن هذه الآية لها معنى ثان راجع إلى الحق ، فكما أن للتجلي شأنا ، ولذلك الشأن في الوجود الحادث أثرا ، فكذلك لذلك التجلي مقتضى ، ولذلك المقتضى في نفس الحق من حيث ذاته تنوّع ، لأن الحق سبحانه وتعالى ولو كان في نفسه لا يقبل التغير ، فإن له في كل تجلّ تغيرا ، وهو المعبر عنه بالتحوّل في الصور ؛ فعدم التغير له حكم ذاتي ، والتنوع في التجليات له أمر وجودي عيني ، فهو متغير لا متغير ، بمعنى متنوّع لا متنوّع ، أي متحوّل في الصور لا متحوّل في نفسه عما يقتضيه كماله ، لأنه على ما هو عليه ولا سبيل إلى تغيره عما هو عليه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . وهذا سرّ قوله :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 1 » .
واعلم بأن الحق سبحانه وتعالى إذا تجلى على العبد سمي ذلك التجلي بنسبته إلى الحق شأنا إلهيا ، وبنسبته إلى العبد حالا ، ولا يخلو ذلك التجلي من أن يكون الحاكم عليه اسما من أسماء اللّه تعالى أو وصفا من أوصافه ، فذلك الحاكم هو اسم ذلك التجلي وإن لم يكن له اسم أو وصف مما بأيدينا من الأسماء
هامش
( 1 ) آية ( 29 ) سورة الرحمن .