شهد القرآن أن اللّه تعالى تجلى للجبل « 1 » وليس في الكتاب والسنة ما يحيل ذلك أصلا ، وغايتكم إن جئتم بأمر يمنعه أن يكون بالنسبة إلى الدار الدنيا ، وإذا أمكنت الرؤيا في الجنة لسائر أهلها فلا مانع لإمكان ذلك في الحضرة العلمية ، ونحن موجودون فيها متصفون بالسمع والبصر . ولعل الرؤية الواقعة في الدار الآخرة فرع هذه الرؤية فاعلم ذلك وانظر إلى ما قلته بعين الإنصاف ودع عنك العداوة والغضب والتعصب فإنها تعمى عين الإدراك :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : الآية 114 ] ،
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ يوسف : الآية 76 ] .
فلا تك ممن طيشته دروسه * بحيث استقلت عقله واستفزت
فثم وراء النقل علم يدق عن * مدارك غايات العقول السليمة
وإذا علمتم هذا علمتم أنكم صور مشهودة في مرآة الوجود الحق وأنه ما وقع إدراككم إلا على أنفسكم وأنتم في حضرة العلم ، فما استفدتم إلا علما بكم لم تكونوا تعلمونه ، لا حالة لم تكونوا عليها .
فصل
من أدرك ما أشرنا إليه آنفا من وجود الممكنات علم أن اللّه سبحانه وتعالى عالم بالجزئيات على الوجه الكلي والجزئي معا ، وخلص من هذيانات الفلاسفة في هذا المبحث ولم يحتج أن يقول بحدوث التعلق لأنه لا طائل تحته كما لا يخفى عن التدبر ، ولا إلى أن يلتزم ما قيل من أن العلم بأن الشيء سيوجد وموجود ووجد واحد لأنه لا محصل له ، والبديهة تحكم بخلافه ، وقد أشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى ما ذكرناه بقوله : وأما انتقالات العلوم الإلهية فهو الاسترسال الذي ذهب إليه أبو المعالي إمام الحرمين والتعلقات التي ذهب إليها عمر بن الخطيب الرازي . وأما أهل القدم الراسخة من أهل طريقتنا فلا يقولون هنا بالانتقالات ، فإن الأشياء عند الحق مشهودة معلومة الأعيان والأحوال على صورها التي تكون عليها ، ومنها إذا وجدت أعيانها إلى ما لا يتناهى فلا يحدث تعلق على مذهب ابن الخطيب فلا يكون استرسال على مذهب الإمام أبي المعالي إمام الحرمين رحمه اللّه رحمة واسعة ، والدليل العقلي الصحيح يعطي ما ذهبنا إليه . وهذا الذي ذكره أهل اللّه ووافقناهم عليه
هامش
( 1 ) يشير الإمام الجيلي إلى قوله تعالى :فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا[ الأعراف : الآية 143 ] .