مقدمة
اعلم نوّر اللّه بصيرتك أن الممكن هو الذي لا يقتضي الوجود ولا العدم لذاته بل لغيره ، والواجب هو الذي يقتضي الوجود لذاته ولا يصح أن يكون أزيد من واحد ، والمحال هو الذي يقتضي العدم لذاته . فالواجب لا يصح أن يكون عين الممكن ولا عين المحال ، والمحال لا يصح أن يكون عين الممكن البتة . هذا لا يقول به من شم رائحة من العلم فكيف يقول به أهل اللّه وخاصته ؟ واعلم أنّا نظرنا في الواجب سبحانه فوجدنا وجوده عينه لأنه لو كان غيره لكان من المحالات أو الممكنات فيلزم من هذا ما لا يقول به إلا معتوه ، فعلمنا أنه سبحانه عين الوجود لا غيره ، ونظرنا في الممكنات فوجدناها لم تكن ثم كانت فعلمنا أن لعدمها تقدما على وجودها وعلمنا أنه سبحانه كان ولا هي ، وساعدنا على ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 1 » ، ونظرنا في العدم فوجدناه ما هو بأمر زائد على ذات المعدوم حتى يقوم به كما قامت الصفة بالموصوف ، ونظرنا في أنفسنا فوجدناها موجودة ، فقلنا نحن كنا قبل هذا من جملة المعدومات ونحن الآن متصفون بالوجود ، ومفهوم الوجود واحد لا تعدد فيه وقد صح عندنا أنه عين الواجب ، فلا يجوز أن يخلق الواجب مثله حتى يكون قد خلق وجودا وجعله صفة لنا ولو كان فهو واحد منا والكلام فيه مثل الكلام فينا ، وإن كان من جملة المعدومات كما يقول به بعض الناس ، فلا بد أن يعرض لنا حتى نوجد وإلا فنحن على حالنا في العدم ، ولا معنى لعروض معدوم لمعدوم في الخارج ، وإن كان عروضه لنا في الذهن لا في الخارج ، فنحن على حالنا في الخارج ما شممنا رائحة من الوجود ، ولا أثر الفاعل إلا في ذواتنا فذواتنا مجعولة في الخارج والخارج ظرف لها لا لوجودها ، ولا يجوز أن ينفصل من الواجب قطعة من الوجود فتقوم بنا ، ولا يجوز أن نقوم بالواجب حتى
هامش
( 1 ) العجلوني ( كشف الخفاء ، حديث رقم 2009 ) طبعة دار الكتب العلمية .