من اقتضاء ذاتك وماهيّتك لا منّي ، لأنّي فاعل وأنت قابل ، وقابليّة القابل لا يكون من الفاعل ، بل وجوده مطابقا لماهيّته وقابليته ، فأنت حينئذ تعرض على قابليّتك واستعدادك لا عليّ ، لأنّ الفاعل ليس له تصرّف في القابل إلّا على قدر قابليّته وإعطائه الوجود على ما هو عليه من حيث القابليّة .
وإن قلت ( كنت ) بالعلم وإنّي كنت عالما بك فالعلم ليس له تصرّف في المعلوم حتّى يرد هذا والمطابقة شرط بين العلم والمعلوم ، لأنّ العلم تابع للمعلوم ، فالتابع لا يكون عالما بالمتبوع إلّا على الوجه الّذي هو عليه من معلوميّته ، فحينئذ ما أعطيت وجودك إلّا على الوجه الّذي كنت عالما بك وبماهيّتك على مقتضى قابليّتك ، وأنا حكيم عادل عالم كامل لا يصدر منّي شيء إلّا على الوجه الّذي ينبغي وقولي :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] .
إشارة إلى هذا ، ومرادي إنّي عالم ( عليم ) ، حكيم ولا يسأل عن فعل العالم الحكيم ، ولكن هم يسألون من جهلهم بحقايق الأشياء وقدرتهم على وضع كلّ شيء موضعه ، وأنت لو كنت مثلي عالما بحقايق الأشياء كلّها قبلها وبعدها ، ما كنت ممّا يسأل عن فعله ، وأنا العالم الحكيم الكامل فلا ينبغي أن يسأل عن فعلي أصلا ، لأنّي ما أفعل شيئا إلّا بمقتضى علمي وحكمتي وعلى الوجه الّذي ينبغي ، ومن هذا قلت :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ
[ سبأ : 3 ] .
وهو قولي :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ