ألم تر إلى قول سيد الطائفة أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : إن المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر ، وشتان بين من ينطق عن نفسه ودرسه ، وبين من ينطق عن ربه وكشفه ،
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم 3 ] ، فإياك وطلب الدليل من خارج ، فتفتقر إلى المدارج والمعارج ، وأطلبه من ذاتك لذاتك ، تجد الحق في ذاتك .
أرأيت لما ثبتت نبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واستقر في نفوس العقلاء أنه صلى اللّه عليه وسلم ينطق عن اللّه تعالى لا عن هوى نفسه ، كيف دخلوا في رق الانقياد والتسليم ، وتصرفت عليهم وظائف التعبد والتكليف ، ولم يسألوا ما الدليل ، ولا ما العلة .
ولقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم يسألونه عن أشياء حتى نهوا عن ذلك في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
[ المائدة : 101 ] .
وإن عرض لك أيها الأخ المسترشد في هذا الطريق عارض من عدو أو صديق ، وقال لك : طالبهم بالبرهان على هذا الأمر والشأن ، يعني : لعلماء الطريقة ورؤساء الحقيقة ، فيما يتكلمون به من المعارف الإلهية والأسرار الربانية ، فأعرض عنه جانبا ، وقل له جوابا محاورا يلزمه بالاتفاق والإجماع : ما الدليل على حلاوة العسل ولذة الجماع ؟
وخبرني عن الماهية لهذه الأشياء ، فلا بد أن يقول لك : هذا علم لا يحصل إلا بالذوق ، فلا يدخل تحت حد ، ولا يقوم عليه دليل ، ثم اضرب له مثلا آخر ، وقل له : لو كان لك دار تبنيها بيدك ، وما اطلع عليها أحد غيرك ففشا ذكرها ، واتصل بأسماع الناس خبرها ، ثم اصطفيت أحدا من خواصك فأدخلته الدار بمرأى من الناس فشاهد ما فيها ، وخرج يحدث الناس بما شاهد ، فهل يصح أو يجوز لأحد أن يقول له : ما الدليل على ما تذكره ؟
ولو قال ذلك قائل ؛ حمّقه الناس وسفهوه ، فمن أحسن به الظن صدقه في قوله ، ومن لم