فكانت سببا لاعتزاله ، وتبديل أقواله بأحواله ، وأثرت فيه غاية التأثير ، وأفاضت عليه كل خير كثير ، حتى قال :
نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى ما جمعنا منه من قيل وقال
وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فزالوا ، والجبال جبال
وأما الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رضي اللّه عنه « 1 » فقد روى أقضى القضاة ، مفيد الحاضر والبادي ، مجد الدين الفيروزآبادي رضي اللّه عنه
هامش
( 1 ) هو سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام . العلامة ذو الفنون .
وحيد عصره ، عز الدين السلمي الدمشقي ثم المصري ، شيخ الشافعية ، وقدوة الصوفية ، أمام عزّه دائم ، وطائر فضله حائم ، وبحر كمال موجه زاخر ، وجوهر علومه فاخر .
كان وافر التقشف ، تارك التكلف ، حسن الخلق ، مهاب المنظر ، آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، عظيم الجد والمجهادة ، احتلم في ليلة شديدة البرد ، فجاء إلى جامد فكسره واغتسل ، فكادت روحه تزهق ، ثم احتلم ، ففعل مثل ذلك ، فأغمى عليه وكاد يهلك ، فسمع قائلا : لأعوضنك بها عز الدنيا والآخرة ؟
هذا وقد بلغ رتبة الاجتهاد ، وقصد للأخذ عنه من أطراف البلاد .
وله التصانيف المفيدة ، والمناقب التي يبلى الزمان وهي جديدة ، درس بدمشق وبها خطب ، ورقى بمصر عند سكنه بها إلى أسمى الرتب ، ولي الحكم بالديار المصرية ، وحاز قصب السبق في ميدان طائفته العصرية .
أخذ الفقه عن ابن عساكر ، والأصول عن الآمدي ، ورحل إلى بغداد ، وكان يلبس قبعا لبادا ، ويحضر به المواكب السلطانية بلا عمامة .