من أن المعنى : لو كان هذا القرآن مصنوعا صادرا من عند أحد من الخلق ؛ فلا بد وأن يلتزم صانعه مذهبا خاصا من المذاهب مع إنكاره لخلافه ، ككونه جبريّا أو قائلا بخلق الأفعال ، أو بالكسب ، أو بالإرادة الجزافية ، أو بالأسباب والشروط الصادرة منه تعالى التي يستند إليها العبد في فعله .
وهكذا بقية الاختلافات الموجبة لوقوع الاختلاف في كلام هذا الصانع ، حيث تمسّك بما يوافق رأيه منها ، وحيث لم يكن فيه اختلاف في شأن العقدية ، بل كل ذي عقدية يأخذها ويفهمها منه ، إمّا بطريق الإشارة ، أو صريح العبارة ، يعلم منه أنه من عند من لم يلتزم مذهبا خاصا ، وهو اللّه تعالى ، فلم يقع الاختلاف ؛ لعدم الالتزام المذكور .
قال تعالى حكاية عن إبليس :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
[ الحجر : 39 ] ، فهذا جبر محض ،
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ الآية : 39 ] ، فهذا كسب أو خلق للأفعال ، وعلى هذا فليقس سائر مذاهب الإسلامية ، فهم اختلفوا في المأخذ لا في المأخوذ منه .
وأمّا المفسّرون فذهبوا في معنى هذه الآية إلى غير هذا المذكور ، وفي كلامه رضي اللّه عنه من الأسرار اللطيفة ما ليس في كلامهم لهذا ونحوه ، فسبحان من خصّ من شاء بما شاء ، وإليه المرجع والمآب .