كلّا يأخذ من القرآن ما يوافق مذهبه ، إلا أنهم ينظرون إلى الظاهر ، وهو ينظر إليه وإلى الباطن .
وقد صحّ أن للقرآن ظهرا وبطنا عند السادة رضي اللّه عنهم حتى أنهم قالوا في قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« أنزل القرآن على سبعة أحرف » « 1 » : إنه أشار إلى الأبطن السبع المذكورة .
وقد نقل عن سيدنا ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال في قوله تعالى :
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
[ الطلاق : 12 ] : لو سمعتم ما أقول في تفسير هذه الآية لرجمتوني .
واللّه أعلم أنه أراد ما هو غير المتبادر من ظاهر الآية ، وهو المنكر عند المخاطبين ، ثم إن لهذا الهمام في فهم كلام اللّه تحقيقات لا تخطر ببال عارف فضلا عن عالم ، ولنذكر من ذلك شيئا ، زيادة في الفائدة ، وبيانا لمزيد فضله رضي اللّه عنه .
قوله تعالى :
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] .
فالمفسّرون جعلوا قوله تعالى :
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
من قول الكفرة المحكي عنهم ، وهو رضي اللّه عنه جعله من قول اللّه تعالى ، أو من قول الرسول المحكي عنه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك لأن الإله إله لنفسه في بادئ الرأي من غير جعل جاعل ، وهو ظاهر فيكون الكفرة جعلوه مجعولا مما يتعجّب منه إذا وقع ممن له عقل على الخصوص ما جعلوه من آلهتهم ، فإنه ربما كان حجرا يستجمر فيه ، وهذا المعنى أدق سرّا مما ذهب إليه المفسّرون من كون التعجّب راجعا إلى جعل الآلهة إلها واحدا .
ومن ذلك ما قاله رضي اللّه عنه في قوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ]
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1909 ) ، وأبو داود ( 2 / 75 ) ، والترمذي ( 5 / 193 ) .