المقام الثالث
قوله - رحمه اللّه - : إن مذهبه ، يعني : الشيخ الأكبر : أن ذوات الممكنات من الأرض والسماوات وما بينهما من المكونات ، على ما ذهب إليه السوفسطائية ؛ سراب وخيال لا حقيقة له ، ويلزم منه ألا يكون للملائكة ورسلهم ، ولا للأنبياء وأممهم ، ولا لشرائعهم وملّلهم ، ولا للجنة والنار ، ولا للبشارة والإنذار ، ولا للكتاب والحساب ، ولا للثواب والعقاب تحقّق في الخارج ، بل هم سراب وخيال .
أقول : لما كان هذا كفر بإجماع أهل الملل ؛ للزومه تكذيب كل الرسل ، والكتب المنزّلة ، وهذا بالحقيقة راجع لتكذيب الحضرة الإلهية .
تلا هنا السعد - رحمه اللّه - قوله تعالى معرضا بالشيخ الأكبر :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
[ الرعد : 43 ] .
وإني أقول : أنا لم أقف في كتب سيدنا العارف باللّه على عين هذه الجملة ، وإن المذكور في كلامه بكتاب « فصوص الحكم » : إن العالم خيال ، وتارة قال : إن العدم نعت ذاتي للممكن ، وفي عباراتهم رضي اللّه عنهم : إن العالم عدم محض ، وهذه الجمل بمعنى ما تقدّم عن السعد ، إلا أنه بيّن مذهب السوفسطائية ومذهب القوم ، خصوصا هذا العارف في هذه المسألة ، كما بين الأرض والسماء تقريبا ، وعند البيان يظهر الحال .
فإن مذهب أهل الحق في المكونات من أنها عدم محض ، راجع إلى أصل لا بدّ من بيانه أولا ؛ حتى يظهر مرادهم في ذلك ، وهو أن حقائق المكونات وماهيتها عبارة عندهم عن الصور العلمية المسمّاة بالأعيان الثابتة ؛ لثبوتها في العلم ، وعدم براحها عنه ، حيث إنها لم تشم من رائحة الوجود الخارجي ، فضلا عن كونها موجودة ، ومجموع هذه