وقد أتى - رحمه اللّه تعالى - في ذلك بعبارات صحيحة فصيحة ، واستعارات حسنة مليحة ، على طريقة وعظية ، إذا سمعها السامع طرب لها قلبه ، وهام فيها عقله ولبّه ، وما ذاك ؛ إلّا لما علق بها من أنوار قلب المتكلم ، وقد قال فيما تقدّم : ( كلّ كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز ) .
أما بعد : فإن البدايات مجلّات النهايات .
المجلّات : محل التجلّي والظهور ؛ فالسالك في ابتداء سلوكه يتجلّى له أمر نهايته .
وإن من كانت باللّه بدايته كانت إليه نهايته .
هذا بيان ما ذكره ، ومعنى كون بدايته باللّه أن تكون مجاهداته ومكابداته « 1 » وأنواع رياضته مصحوبة بالاستعانة باللّه تعالى والاعتماد عليه ، والانقطاع إليه ، فبذلك يصح له وينفذ في توجهه وسلوكه ، كما تقدّم عند قوله : ( ما توقّف مطلب أنت طالبه بربك ) .
ومعنى كون انتهائه إلى اللّه أن يكشف له انفراد اللّه تعالى بالقيومية ، وتوحّده بالديمومية ، وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن انكشافا يظهر له به عدمية ذاته وتلاشيه ، وتدكدكه واضمحلاله ، قال اللّه تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
[ الأنبياء : 18 ] .
فإذا صحّت للمريد تلك البداية بما ذكرناه وصل إلى هذه النهاية . وقد تقدّم هذا المعنى في قوله : ( من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى اللّه في البدايات ) .
والمشتغل به هو الذي أحببته وسارعت إليه ، والمشتغل عنه هو المؤثر عليه .
المشتغل به ، أيها المريد السالك ، إنما هو عملك على التقرّب من ربّك عزّ وجلّ ، والتوسّل إليه بالطاعة والعبودية له ، وهو الذي أحببته ، وسارعت إلى إجابة دعوته ، فيحق عليك أن لا تستقل ذلك الشغل ، بل تكون به قرير العين .
والمشتغل عنه : إنما هو متابعة حظوظك العاجلة ، ومراداتك الزائلة ، وهو الذي يستحق الإيثار عليه ؛ إذ هو فان ، مضمحل ، لا حقيقة له ، فلتطب عنه نفسا ، ولا تعمل فيه عقلا ولا حسّا .
وهذا الكلام تهييج للسالك ، وإنعاش لقوّته ، وإنهاض لهمّته ، قال الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن الصقلي ، رضي اللّه عنه : « سمعت عبد اللّه بن إسحاق الغافقي يقول : ما انتفعت إلا بدعاء رجل بمكة ، مررت إلى المسجد الحرام بالسحر فإذا رجل يسفّ
هامش
( 1 ) المكابدة : كابد الأمر مكابدة : قاسى شدته وعانى مشقته .