قبل الحق ، ثم يرجعون في سائر أوقاتهم إلى مألوفاتهم ومعتاداتهم . وإنما المانع لهم من ذلك انفراد اللّه تعالى بالمشيئة والقدرة ، واستئثاره بالخذلان والنصرة ؛ فإذا أراد اللّه تعالى أن يضلّ عبدا من عباده لم ينصره عقل ، ولم ينفعه علم ، قال اللّه عزّ وجل :
وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
[ المائدة : 41 ] .
وفي مثل هذا الموطن تبطل أحكام الأسباب ، ويتحقق أرباب الحقائق العظمة والجلال ، والعزّة والكمال لربّ الأرباب . فليعتبر بما ذكرناه أرباب الأبصار ، وليسلموا أحكام الواحد القهّار ، لعلهم بذلك يهتدون إلى منهج التحقيق حين يضل غيرهم عن سواء الطريق :
مصائب قوم عند قوم فوائد
وليقل العبد المؤمن إذا نظر إليهم ، واعتبر بما جرى من سوء القضاء عليهم :
« الحمد للّه الذي عافاني مما ابتلاهم به ، وفضلني عليهم تفضيلا » « 1 » ، فقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من رأى مبتلى فقال : الحمد للّه الذي عافاني مما ابتلى به هذا ، وفضلني عليه وعلى كثير ممن خلق تفضيلا عافاه اللّه من ذلك البلاء كائنا ما كان » « 2 » .
فعلى المعلّم الناصح لنفسه ، السالم في عقله وحدسه ، العامل على تصحيح أعماله وهممه ، المشفق على دينه الذي هو منوط « 3 » بلحمه ودمه ، أن يتأمل هذه المفاسد ، ويقيس بها ما توهمه من المصالح الناشئة عن تعليمه بزعمه ، ويدقق النظر في ذلك كما يدققه في أكثر المسائل التي لا يحتاج إليها ، ولا يقدم على التعليم في هذه الأزمنة ذوات العلل المزمنة حتى يقطع بوجوب ذلك عليه من غير تردد ولا تجويز وقوع خطأ في نظر .
ولا سبيل له إلى هذا ولا يسعه خلاف ذلك إن كان منصفا .
قال بعضهم : « رأيت سفيان الثوري حزينا ؟ فسألته عن ذلك ، فقال : وهو برم ، ما صرنا إلّا متجرا لأبناء الدنيا » ! !
قلت : وكيف ذلك ؟ قال : يلزمنا أحدهم إذا عرف بنا ، وحمل عنا ، وجعل عاملا أو حاجبا ، أو قهرمانا « 4 » أو جابيا « 5 » ، يقول حدثنا سفيان الثوري ! ! .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء ، 22 ) ، والترمذي ( دعوات 20 ، 37 ) .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة ( دعاء ، 22 ) ، والترمذي ( دعوات 37 ) .
( 3 ) المناط : مناط الشيء : موضع تعليقه أو ربطه .
( 4 ) القهرمان : فارسي معرب وهو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه أو هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل بلغة الفرس .
( 5 ) الجابي : الذي يقوم بجمع الضرائب والخراج .