ليس المخاطر محمودا وإن سلما
وقال في موضع آخر : « . . . ولا يغرّنك أن يكون به انتفاع للبادي والحاضر ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » « 1 » .
ومثل من تعلّم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت ، فما أشرف الوسيلة وما أخس المتوسّل إليه ! !
ومثل من قطع الأوقات في طلب العلم فمكث أربعين سنة أو خمسين سنة يتعلّم العلم ولا يعمل به كمثل من قعد هذه المدّة يتطهّر ويجدد الطهارة فلم يصلّ صلاة واحدة ! !
إذ المقصود العلم العمل ، كما أنّ المقصود بالطهارة وجود الصلاة .
ولقد سأل رجل الحسن البصري عن مسألة فأفتاه فيها ، فقال الرجل للحسن : قد خالفك الفقهاء ! ! فزجره الحسن وقال : ويحك ! ! وهل رأيت فقيها ؟ ! إنما الفقيه الذي فقه عن اللّه أمره ونهيه .
قال : وسمعت شيخنا أبا العباس يقول : « الفقيه من انفتق الحجاب عن عين قلبه » والرجل الذي سأل الحسن البصري هو « فرقد السنجيّ » ، واللّه أعلم . وقد روي عنه في صفة الفقهاء كلام أتمّ ممّا ذكره صاحب كتاب « لطائف المنن » .
قال فرقد السنجي : « سألت الحسن عن مسألة فأجابني عنها ، فقلت له : إن الفقهاء يخالفونك ! ! فقال لي : ثكلتك أمّك فريقد ! ! وهل رأيت فقيها بعينك ؟ ! إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة ، البصير بدينه المداوم على عبادة ربّه ، الورع الكافّ نفسه عن أعراض المسلمين ، العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم ، المجتهد في العبادة ، المقيم على سنّة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، الذي لا ينبذ من فوقه ، ولا يسخر ممن هو دونه ، ولا يأخذ على علم علّمه اللّه له حطاما » .
قلت : وعلى المعلم أن يتفقد أحوال من يتعلم منه . فلا يبذل علمه إلا لمن يتوسم فيه الخير والصلاح ؛ إذ بذلك تستقيم له النيات والمقاصد التي ذكرناها ، ولا يبذله لمن سوى هذا ممن علم حاله أو جهله .
قال رجل لسفيان الثوري ، رضي اللّه عنه : « إنك إن نشرت ما معك من العلم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( جهاد ، 182 ) ، ( مغازي 38 ) ، ( قدر ، 5 ) ، ومسلم ( إيمان ، 178 ) وابن ماجة ( فتن ، 35 ) ، والدارمي ( سير ، 73 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 309 ، 5 ، 45 ) .