قلت : وهذا هو فصل الخطاب ، ونهاية الصواب ؛ فإن العبد في هذه الحالة لا يصدر منه إلا العلم الصالح الخالص في شوائب الرياء وممازجة حظ النفس واتباع الهوى ، فهذا هو المطلوب من العبد ، ولا يستتم له ذلك إلا أن يتحقق بما يقدره من حلول الموت وحصول الفوت . وهذا هو معنى « قصر الأمل » الذي هو أصل حسن العمل ، وهو أن لا يقدّر لنفسه وقتا ثانيا يكون فيه حيا ، وعند ذلك يخلص عمله من الآفات ، ويتطهّر من أنواع الرعونات « 1 » ؛ لأن توقع الموت في كل نفس ولحظة يهدم عليه جميع ذلك ، كما ذكره المؤلف رحمه اللّه تعالى ، وكلّ عمل استرسل فيه صاحبه غافلا عن تقدير وقوع ذلك إن لم يكن متحققا به ، لم يسلم مما ذكرناه .
فإذن بعيد من الإخلاص من يأخذ في علم غير متعيّن عليه الأخذ فيه ، لا يجتنى ثمرته إلا في ثاني حال ، ويكون في الحالة الراهنة متمكنا من إيقاع طاعة تزيد مصلحتها على مصلحة ما أخذ فيه من العلم فيفوز بثوابها ، ويتنجز له حصول التقرّب بها ؛ لأن في ذلك قوت النفس ، ووفارة حظّه . وآية ذلك : أنه قد يعرض له في حال أخذه فيه غرض دنيوي يكون احتظاء نفسه به أكثر فيقدّمه على ما كان آخذا فيه . ويتشاغل به من غير مبالاة بما يفوته من ذلك .
وإنما عبّرنا بلفظ « الأخذ » ليدخل فيه تعلّم المتعلّم ، وتعليم المعلم ؛ فإن الأمر فيهما واحد ، وكل عمل لا إخلاص فيه ليس باللّه ولا للّه مردود على صاحبه ، مضروب به وجهه .
وبهذا يتبيّن لك غرور أكثر الخلق في علومهم وأعمالهم إلا من رحم اللّه تعالى .
ولهذا نشاهد أكثر الناس عند نزول الموت بهم يندمون على ما أسلفوه من عمل ، ويودّون أن لو أنسىء لهم في الأجل ، وهيهات « 2 » هيهات . . ! ! فنعوذ باللّه من الغفلة في زمان المهلة ؛ فإنها مبدأ كل عمل فاسد ومنشأ وجود الغرة والجهالة لكل عالم وعابد .
وما ذكرنا من معرفة اختلاف درجات الصالح ليقدم الفاضل فيها على المفضول لا يصلح إلا لمن أيّده اللّه بنور اليقين ، وجبله على النصيحة في الدين ، وكان له حظ وافر من الخوف والحذر ، وموافقة مولاه في كل ورد وصدر .
ولا شك أن هذه المرتبة عزيزة المنال ، متعذر إدراكها إلا من الآحاد من الرجال .
وسبيل من لم يصل إليها ممن ذكرناه إذا كان منصفا أن يستعين بنظر من هو أصح منه
هامش
( 1 ) الرعونة : الحمق .
( 2 ) هيهات : اسم فعل بمعنى بعد .