يأتي كل يوم ويقف بحذاء الكعبة بعد ما يطوف ما شاء اللّه تعالى ويخرج من جيبه رقعة ينظر فيها ، فلما كان بعد أيام فعل مثل ذلك ، ثم تباعد ، ومات . فجاء بعض من يرمقه ونظر في الرقعة فإذا فيها :
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا
[ الطور : 48 ] . قال : فكان الرجل أصابته الفاقة ، فصبر ، ولم يظهر حاله لمخلوق حتى مات .
وقال أبو بكر الجوهري - رحمه اللّه تعالى - : كنت ب « عسقلان » « 1 » على برج أحرس ، فمرّ بي رجل عليه جبّة « 2 » صوف متخرّقة ، فقمت إليه مسلّما ، وعانقته وأجلسته ، وجاريت معه في فنون من العلم ، وكان قدماه حافيتين ، فقلت له : لم لا تسأل أصحابك في نعل تقيك من الحفاء ؟ ! فقال : يا أخي لردّ أمسي بالحبال ، وحبس عين الشمس بالعقال « 3 » ، ونقل ماء البحر بالغربال أهون عليّ من موقف السؤال ، وارتجائي من المخلوقين النوال ، ثم أخرجني من باب المدينة ، فانتهى بي إلى صخرة منقورة فإذا عليها مكتوب : « كل من كدّ يمينك وعرق جبينك ، فإن ضعف يقينك فاسأل المولى يعينك » .
قال في « التنوير » : « واعلم - رحمك اللّه - أن رفع الهمّة لسالكي طريق الآخرة عن الخلق ، وعدم التعرض لهم أزين لهم من الحلّى للعروس ، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس ، ومن خلعت عليه خلعة الملك فحفظها وصانها فحرّى بأن تدام له ولا تسلب عنه ، والمدنّس لخلع المواهب حرّى أن لا تترك له . فلا تدنّس ، أيها الأخ ، إيمانك بطمعك في المخلوقين ، ولا تجعلن اعتمادك إلا على رب العالمين . وكن ؛ أيها الأخ « إبراهيميا » ، فقد قال أبوك إبراهيم عليه الصلاة والسلام
لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
[ الأنعام :
76 ] ، وما سوى اللّه آفل ، إما وجودا وإما إمكانا ، وقد قال سبحانه :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
[ الحج : 78 ] ، أي : اتّبعوا ملته . فواجب على المؤمن أن يتبع ملّة إبراهيم ومن ملّته رفع الهمة عن الخلق ، فإنه يوم زجّ به في المنجنيق « 4 » تعرّض له جبريل عليه السلام فقال له : ألك حاجة ؟ فقال له : أمّا إليك ، فلا ، وأما إلى اللّه تعالى فبلى . قال : فاسأله .
قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . فانظر كيف رفع همته عن الخلق ؛ ووجهها إلى الملك الحق ، فلم يستغث بجبريل ، ولا احتال على السؤال من ربه . بل رأى ربه أقرب إليه من جبريل عليه السلام ، ومن سؤاله . فلذلك سلمه من « نمروذ » ونكاله ، وأنعم عليه
هامش
( 1 ) عسقلان : وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين ( معجم البلدان 4 / 122 ) .
( 2 ) الجبّة : ثوب طويل واسع الكمين ، مسقوق المقدم يلبس فوق الثياب . والجبّة : الدرع .
( 3 ) العقال : حبل يربط به البعير في وسط ذراعه .
( 4 ) المنجنيق : آلة قديمة من آلات الحرب وحصار المدن ، كانت ترمى بها الحجارة على الأسوار فتهدمها ( ج ) منجنيقات ومجانق ومجانيق .