بديعة محمودة موجزة ، جمع فيها جملة المعاني التي يحتاج إليها من ذكرناه ، فلنسبط كلامه في ذلك على حسب عادتنا معه ، على الوجه الذي ذكرناه في مقدمة هذا التنبيه ، وهذا قصدنا في جميع ما تكلّمنا عليه من مسائل كتابه .
ونقول على حسب ذلك : أرزاق العباد المعتادة لهم تنقسم إلى قسمين :
أحدهما : رزق يصلون إليه بأسباب وأعمال وتصرّفات كالتجارات والصناعات وغيرهما ، وهذا حال أهل الأسباب .
والثاني : رزق يصل إليهم على أيدي الخلق من غير عمل ولا سعى ، وهذا حال أرباب التجريد .
وكلّ واحد من القسمين له آداب وأحكام تخصّه .
فأحكام القسم الأول وآدابه لم يتعرّض لها المؤلف رحمه اللّه تعالى ، وهي مذكورة في فنّ « الفقه » وغيره ، فواجب على كلّ من دخل في شيء من الأسباب تحصيل علمه وطلبه من حيث هو .
وأحكام القسم الثاني وآدابه هي التي تعرّض لها المصنف . وأجمل - رحمه اللّه تعالى - جميع ذلك في مراعاة شرطين وجعلهما من شروط صحة الأخذ :
الشرط الأول : أن لا يرى العطاء إلّا من مولاه عزّ وجلّ . وهذا هو الأصل . وإنما اشترطه على الأخذ ؛ لأنه مقتضى حاله من تحقيق التوحيد ، وتخليص التجريد ، وبه يصحّ له مقام القناعة والتوكل ، ويسقط من قلبه همّ الرزق ، وتزول به عنه علاقات الخلق ، وإن لم يكن على هذا الوصف كان عبدا للناس ، مولّها قلبه إليهم ، فيكثر طمعه فيهم ، ورغبته فيما في أيديهم ، واستشرافه إليهم ، فيقع بسبب ذلك في كبائر الذنوب ، من معاصي القلب والجوارح ، مثل : المداهنة « 1 » ، والنفاق ، والرياء ، والتصنّع ، والتلبيس ، والغش ، وعدم النصيحة ، وقلّة الشفقة ، وغير ذلك من الصفات المذمومة المناقضة للعبودية للّه عزّ وجلّ .
قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « من استفتح باب المعاش من غير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين » .
ولا يكفي في تلك الرؤية المذكورة أن تكون علما وإيمانا فقط ، بل لا بدّ أن تكون :
حالا وذوقا .
هامش
( 1 ) المداهنة : المصانعة .