فقال : « عندي من مكّنه اللّه من مخالفة هواه ، فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء » .
وقال أبو يزيد ، رضي اللّه تعالى عنه : « لو أنّ رجلا بسط مصلّاه على الماء وتربّع في الهواء فلا تغترّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي » .
وقيل له : إن فلانا يقال إنه يمرّ في ليلة إلى مكة ؟ ! فقال : « الشيطان يمرّ في لحظة من المشرق إلى المغرب وهو في لعنة اللّه » .
وقيل له : يقال إن فلانا يمشي على الماء ! ! فقال : « الحيتان في الماء والطير في الهواء أعجب من ذلك » « 1 » .
وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : « حجاب قلوب الخاصة المختصة برؤية النعم والتلذذ بالعطاء والسكون إلى الكرامات » وقد تقدم مثل هذا عند قوله : ( ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه ) .
من علامات إقامة الحق لك في الشيء إدامته إياك فيه مع حصول النتائج .
لا اعتبار بما يقوم فيه العبد بنفسه من عمل أو حال . وإنما العبرة بما يقيمه فيه ربّه .
وعلامة إقامة اللّه عبده في الشيء أن يديمه عليه ، ويحصل له ثمرته ونتيجته .
وينبني على هذا آداب ومعاملات . وقد أشرنا إلى نحو من هذا عند قول المؤلف :
( إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إيّاك في الأسباب . . . الخ ) .
من عبّر من بساط إحسانه أصمتته الإساءة . ومن عبّر من بساط إحسان اللّه إليه لم يصمت إذا أساء .
من شاهد إحسان نفسه وعمل بطاعة ربّه انبسط لسانه بالنصيحة والموعظة لعباد اللّه . فإن وقعت منه إساءة أو مخالفة انقبض عن ذلك وصمت ، لما يعتريه من الخجل والحياء ، وهذه طريقة أهل « التكليف » الذين ينظرون إلى ما منهم إلى اللّه تعالى من عمل صالح أو طالح .
ومن شاهد إحسان اللّه إليه ، وغاب عن رؤية إحسانه هو ، انبسط لسانه في الحالين من غير فرق ؛ لأن مشاهدته لوحدانية ربّه وقيوميته في الحالين أوجبت جراءته على ذلك .
وقد قيل : « جراءة الجنان تنطق اللسان وتطلق العنان » . وهذه هي طريقة أهل
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( علم ، 19 ) ، وابن ماجة ( مقدمة ، 17 ، 20 ) ، والدارمي ( مقدمة 32 ) ، وأحمد بن حنبل ( 5 ، 196 ) .