عزّ وجل :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] ، والاضطرار المطلوب منه : أن لا يتوهّم العبد من نفسه شيئا من الحول والقوة ، ولا يرى لنفسه سببا من الأسباب يعتمد عليه أو يستند إليه ، ويكون بمنزلة الغريق في البحر ، أو الظالّ في التيه « 1 » القفر ، لا يرى لغيائه إلا مولاه ؛ ولا يرجو لنجاته من هلكته أحدا سواه .
وقال بعض العارفين : « المضطر الذي يقف بين يدي مولاه ، فيرفع يديه إليه بالمسألة ، فلا يرى بينه وبين اللّه حسنة يستحق بها شيئا فيقول : يا مولاي ، هب لي بلا شيء » .
والذلّة والافتقار أمران لا زمان له ، وهما موجبان لإسراع مواهب الحق تعالى إلى العبد المتصّف بهما ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
[ آل عمران : 123 ] ، فذلّتهم أوجبت لهم عزّتهم ونصرهم ، كما قيل :
وإذا تذللت الرقاب تقرّبا * منها إليك فعزّها في ذلها
وقيل : حيث أسلمتني إلى « الذال واللام » تلقيتني بعين وزاي .
قال في لطائف المنن : « والجالب للتوفيق علامة صدق الرّجعى إلى اللّه في أول كل فعل وترك تحقيق الفقر والفاقة إليه والانغماس في بحر الذلّة والمسكنة بين يديه ، واستصحاب ذلك إلى الفراغ من ذلك أبدا ، وقد قال اللّه سبحانه :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
، وقال تعالى :
إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ
[ التوبة : 60 ] ، فلا تدخل جنة عملك وعلمك ، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذل فأخبر اللّه عنه بقوله :
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً
[ الكهف :
35 ] ، ولكن أدخلها كما بيّن لك ، وقل كما رضي لك :
وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ الكهف : 39 ] ، وافهم هاهنا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا حول ولا قوة إلا باللّه كنز من كنوز الجنة » « 2 » ، وفي رواية أخرى : « كنز من كنوز تحت العرش » « 3 » ، فالترجمة ظاهر الكنز ، والمكنوز فيها صدق التبرّي من الحول والقوة والرجوع إلى حول اللّه تعالى وقوته .
لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا ، ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه ، غطى وصفك بوصفه ، ونعتك بنعته ، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه .
هامش
( 1 ) التيه : المفازة لا علامة فيها يهتدى بها .
( 2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 156 ) .
( 3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 ، 151 ، 180 ، 383 ) .