[ ورود الإمداد بحسب الاستعداد ، وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار ]
ورود الإمداد بحسب الاستعداد ، وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار .
ورود الموارد الإمدادية من اللّه على قلب عبده بحسب القوة الاستعدادية المجعولة فيه .
وشروق الأنوار اليقينية على حسب صفاء سرّه من كدر التعلق بالآثار ، والركون إلى الأغيار .
العامل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل ، والعاقل ينظر ماذا يفعل اللّه به .
أول خاطر يرد على العبد هو ميزان توحيده ، فالغافل إذا أصبح أول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى نفسه ، فيقول : ماذا أفعل اليوم ، فهو مشتغل بتدبير نفسه ؛ مصروف عن النظر إلى مولاه ، وذلك لوجود غفلته عنه ، فهو حقيق بأن يكله اللّه تعالى إلى نفسه ، فيتشتت عليه قلبه ، وينغص عليه مراده ، والعاقل أول خاطر يرد عليه نسبة الفعل إلى اللّه تعالى فيقول : ماذا يفعل اللّه بي ، فهو ناظر إلى اللّه تعالى ، وإلى ما يرد عليه منه ، وذلك لوجود عقله ، ودوام يقظته . فلا جرم أن يكفيه اللّه تعالى تعلقات الآمال ، ويفرغه من جميع الأشغال ، ويرضيه ، ويقرّ عينه بما يقيمه فيه من أعمال ، أو يورده عليه من أحوال ، وهذه سعادة عظيمة ، ومنّة من اللّه تعالى لمن وليه من عباده جسيمة .
قال عمر بن عبد العزيز : « أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القدر » .
وقال أبو عثمان رضي اللّه تعالى عنه : « منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه في حال فكرهته ، ولا نقلني إلى غيره فسخطته » .
ومن أملح ما رأيت في هذا المعنى الذي ذكره المؤلف ، رحمه اللّه تعالى ، وما يجب أن يحذو على مثاله كلّ عالم متصوف ما ذكره الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن الصقلى « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه ، في كتابه « صفة الأولياء ومراتب أحوال الأصفياء » بسنده إلى « أيوب بن بشر الطالقاني » قال : « حدثنا رجل من أصحابنا ، قال : رأيت رجلا في مرج الديباج « 2 » ليس معه شيء ، فدنوت منه ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، فقلت : يرحمك اللّه أين تريد ؟ قال : ما أدري ! ! قلت : هل رأيت أحدا يريد مكانا
هامش
( 1 ) عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللّه ( توفي نحو 380 ه - 990 م ) أبو القاسم ، عماد الدين البكري الصقلي ، متصوف ، من علماء المالكية . له كتب منها « الأنوار في علم الأسرار » .
( الأعلام 3 / 325 ) .
( 2 ) مرج الديباج : واد عجيب المنظر نزه بين الجبال ، بينه وبين المصيصة عشرة أميال .
( معجم البلدان 5 / 101 ) .