قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعلم مقيما صحيحا » « 1 » إلى غير ذلك من الألطاف التي لا نعلمها ، وإنما ذكرنا هذه المعاني هاهنا ؛ لأنها لائقة بكلام المؤلف ، رحمه اللّه ، وكأنها مفسّرة له . وأيضا فإن العبد محتاج إليها غاية الاحتجاج ؛ لأنه في حال نزول البلايا يتسخّط ، ويجزع ، ويضطرب إيمانه ، ويتزلزل إيقانه ، فيحتاج إلى مذكّر يذكّره بأمثال هذه المعاني ، ليحصل له بذلك من الرضا وحسن الظنّ باللّه تعالى والمحبّة له ما يرجى له بذلك إن مات من فوره حسن الخاتمة وحبّ لقاء اللّه تعالى . والأعمال بخواتيمها .
وهذا الغرض هو الذي أوجب لنا في هذا الفصل الإكثار من الحكايات وإظهار نسبة أكثر الأحاديث فيه إلى رواتها الثقات ؛ لتطمئن قلوب أهل البلاء بذلك وتسلك إلى اللّه واضحات تلك المسالك . واللّه وليّ التوفيق .
[ لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من علبة الهوى عليك ]
لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك ، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك .
الطريق إلى اللّه تعالى واضحة لائحة ؛ لأنّ الحق تعالى هو الذي تولّى ذلك ، وبه أنزل الكتب وأرسل الرسل ونصب عليه الأدلّة والبراهين ، فلا يخاف على العبد من التباسها عليه ، وإنما يخاف من غلبة الهوى عليه حتى يعميه ذلك عن ربّه .
قال أحمد بن خضرويه البلخي « 2 » رضي اللّه عنه : « الطريق واضح ، والحقّ لائح ، والداعي قد أسمع ، فما التحيّر بعد هذا إلّا من العمى » .
[ سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية ، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ]
سبحان من ستر سرّ الخصوصية بظهور البشرية ، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية .
سرّ الخصوصية ، هو : حقيقة المعرفة التي اختصّ بها أهل ولاية اللّه تعالى بحيث لا يبقى معها وجود لغير ولا كون .
وذلك لما جعله فيهم من التهيؤ والقابلية ؛ فمن لطيف حكمة اللّه تعالى أن ستر ذلك بما أظهره من البشرية التي من لوازمها وجود الغير والكون . ولولا هذا الستر لكان سرّ اللّه مبتذلا غير مضمون كما قال في « لطائف المنن » : « ولا بدّ للشمس من سحاب ، وللحسناء من نقاب » « 3 » . ثم إنّ من حقيقة ظهور البشرية الاتصاف بصفة الافتقار
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( دعاء ، 36 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 203 ) .
( 2 ) هو أبو حامد أحمد بن خضرويه البلخي ( توفي 240 ه / 854 م ) من كبار مشايخ خراسان وكان كبيرا في الفتوة ، صحب أبا تراب النخشبي ، قدم نيسابور وزار أبا حفص ، وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي ( الرسالة القشيرية ص 410 ) .
( 3 ) النقاب : القناع تجعله المرأة على القسم اللين من أنفها ، تستر بها وجهها ( ج ) نقب .