نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد نعمتان لازمتان لكل مكوّن موجود ، لأنه في ذاته معدوم متلاش ، فنعمة الإيجاد أزالت العدم السابق ، ولولا ذلك لم يزل معدوما ، ونعمة الإمداد أزالت العدم اللاحق ، ولولا ذلك لتلاشى وفنى .
قال سيدي أبو مدين : « الحق تعالى ممد ، والوجود مستمد ، والمادة من عين الوجود فلو انقطعت المادة انهدم الوجود » وهذا توطئة لما يريد بيانه من الفقر الذاتي للعبد .
أنعم عليك أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد .
هذا أحد جزيئات الكليّة المتقدمة ، وهو جودك ودوام وجودك ، ومما لا ينبغي أن يتغافل عنه من أنواع هذا الجنس نعمة إيجاد الإيمان ومحبة الطاعة في قلبك ، وإمدادهما ، وكذلك كراهة الكفر والمعصية ، فإن ذلك من النعم العظيمة التي لا مدخل للعبد فيها ولا له وسيلة إليها ، ولولا توالى اللّه تعالى له بتينك النعمتين في القسمين لتاه في ظلمات الضلالات وغرق في بحار الجهالات . وقد نبه اللّه عز وجل على هذا المعنى في كتابه الكريم فقال عز من قائل :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ، فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
[ الحجرات : 7 ] .
قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : « إنّ من فكر في صنوف الضلال ، وكثرة طرق المحال ، وشدّة أغاليط الناس في البدع والأهواء ، وما يتشعّب بكل قوم مختلفي النحل والآراء ، ثمّ فكر في ضعفه ونقصان عقله وكثرة تحيره في الأمور وشدة جهله ، وتناقض تدبيره في أحواله ، وشدّة حاجته إلى الاستعانة بأشكاله في أعماله ، ثم رأى خالص يقينه ، وقوّة استبصاره في دينه ونقاء وجه توجيده عن غبرة الشرك ، وصفاء عين عرفانه عن رهج « 1 » الشرك ، علم أنّ ذلك ليس من طاقته ، ولا بجهده وكده وسعيه وجده ، بل بفضل ربه ، وسابغ طوله « 2 » ، قال اللّه تعالى ذكره :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
[ لقمان : 20 ] فهو الظاهر بنعمائه وآثار نعمه عليك متظاهرة ، والباطن بآلائه وزوائد كرمه لديك متواترة » اه .
فعلى العبد أن يعرف قدر هذه النعمة ويتوكل على مولاه في بقائها وحفظها عليه ، ولا يعتمد في ذلك على عقله وعلمه .
هامش
( 1 ) أرهج : آثار الفتنة .
( 2 ) الطّول : الفضل والعطاء والغنى والقدرة .