( الحكاية الأولى عن أبي الفيض ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه )
قال : وصف لي رجل من السادة باليمن قد برز على الخائفين ، وسما على المجتهدين ، بسيما بين الناس معروف ، وباللب والحكمة والتواضع والخشوع موصوف . قال : فخرجت حاجّا إلى بيت الحرام ، فلما قضيت الحج قصدت زيارته لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته أنا وأناس كانوا معي يطلبون ما أطلب من البركة ، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين ومنظر الخائفين ، وكان مصفرّ الوجه من غير سقم ، أعمش العينين من غير رمد ، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة ، تراه كأنه قريب عهد بمصيبة ، وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه ، فلا يجيب قولنا وعذلنا ، ولا يزداد إلا مجاهدة واجتهادا ، ولسان حاله يقول :
أيها العاذلون في الحبّ مهلا * حاش لي عن هواه أن أتسلى
كيف أسلو وقد تزايد وجدى * وتبدّلت بعد عزّى ذلا
قيل تبلى فقلت تبلى عظامي * وسط لحدي وحبكم ليس يبلى
حبكم قد شربته في فؤادي * في قديم الزمان مذ كنت طفلا
قال : ولم يزل ذلك الشاب في جملتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن ، وسألنا عن منزل الشيخ فأرشدنا إليه ، فطرقنا الباب فخرج إلينا كأنما يخبر عن أهل القبور ، فجلسنا إليه ، فبدأه الشاب بالسلام والكلام ، فصافحه وأبدى له البشر والترحيب من دوننا ، وسلمنا كلنا عليه ، ثم تقدم إليه الشاب وقال : يا سيدي إن اللّه قد جعلك وأمثالك أطباء لأسقام القلوب ، ومعالجين لأوجاع الذنوب ، وبي جرح قد نغل ، وداء قد استكمن وأعضل ، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل ، فأنشد الشيخ هذه الأبيات :
إن داء القلوب عظيم * كيف لي بالخلاص من داء ذنبي
هل طبيب مناصح لي فإني * أعجز الخلق والأطباء طبي
آه واخجلتى ويا طول حزنى * من وقوفي إذا وقفت لربى
وانقطاع الجواب منى ولم لا * وبلائي قد جلّ عن كل خطب