وقد بلغني « 1 » أن ابن الجوزي « 12 * » عفا الله عنا وعنه صنف كتابا سماه " تلبيس إبليس " تكلم فيه على شيوخ الصوفية وطريقتهم « 2 » ، وزعم أن إبليس لبس عليهم ، ولم يدر أنه هو الذي لبس عليه في كلامه هذا واعتقاده فيهم وهو لا يشعر ، ( والعجب كل العجب ) « 3 » منه في إنكاره على سادات ما بين أوتاد وأبدال وصديقين « 4 » وعارفين بالله تعالى محققين قد ملئوا الوجود كرامات وأنوارا ومعارفا وحكما وأسرارا ، يعدون إقبال الناس « 5 » عليهم ليلا وإدبارهم عنهم نهارا ، يفرون طول دهرهم « 6 » من نفوسهم ومن الخلق والشيطان والدنيا إلى الله تعالى فرارا ، قد صفوا بواطنهم من شوائب الكدر ، واستوى عندهم الذهب والمدر والمدح والذم والشدائد والنعم .
بل يعدون نعمة الدنيا منعا وبلاء ، والشدة عطاء ورخاء ، أعرضوا في بدايتهم عما « 7 » سوى الله ، فحصلوا في نهايتهم من فضل الله ما لا يعلمه إلا الله ، فما ظنه بقوم ضبطوا أنفاسهم مع الله تعالى « 8 » فشغلهم طول دهرهم « 9 » مراقبته ، يقول الصغير « 10 » منهم ؛ وقفت على باب قلبي عشرين سنة ما جاز به شئ لغير الله إلا رددته ، فلو أنه لاقى واحدا من تلامذتهم الصغار ففي ميدان حرب الإنكار لكان يدرى إذا ما انكشف الغبار أتحته فرس أم حمار ، هذا وهو يطرز كلامه بحكاياتهم ، وينفق بضاعته بمحاسن « 11 » صفاتهم ، فهلا أخلى كتبه من ذكرهم إخلاء عاما ، ولا يكون ممن يحل ذلك عاما ويحرمه عاما .
هامش
( 1 ) ( بلغني ) غير واضحة في ( ك ) .
( 12 * ) ابن الجوزي هو : عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي ، علامة عصره في التاريخ والحديث ، له نحو ثلاثمائة مصنف ، توفى سنة 597 ه ترجمته في وفيات الأعيان 1 / 279 ، البداية والنهاية 13 / 28 ، الأعلام للزركلي ج 4 ص 89 .
( 2 ) في ( ك ) ( طريقهم ) .
( 3 ) ما بين المعقوفتين غير واضح في ( ك ) .
( 4 ) ( الواو ) زيادة من ( ك ) .
( 5 ) لفظة ( الناس ) ساقطة من ( ط ) .
( 6 ) في ( ب ) ( في ) .
( 7 ) في الأصل ( عن ما ) .
( 8 ) لفظة تعالى زيادة من ( ب ) ، وفي ( ط ) ( سبحانه وتعالى ) .
( 9 ) في ( ب ) ( عمرهم ) .
( 10 ) لفظة ( الصغير ) غير واضحة في ( ك ) .
( 11 ) في ( ك ) ( بحسن ) .