السبل جاء أبو يعزى وأمسك بأذنها وقادها ، فانقادت له ذليلة ، ويقول لها : يا كلاب اللّه ، ارحلي من هنا ، فتذهب من وقتها ولا يرى منها شيئا البتة في ذلك المكان .
وجاء إليه المحتطبون يشكون إليه كثرة الأسد في غابة يقطعون منها الحطب ، فقال لخادمه : اذهب إلى طرق الغابة ، ونادي بأعلى صوتك : يا معاشر الأسد يأمرك أبو يعزى أن ترحلي من هذه الغابة ، فجعلت تحمل أشبالها حتى لم يبق فيها شيء منها ، ولم ير بعد فيها أسد .
الحكاية التاسعة عشرة
عن الشيخ الكبير المشهور العارف باللّه الشهير أبي مدين « 1 » المشكور ، قدّس اللّه روحه أنه
هامش
( 1 ) هو من أعيان مشايخ المغرب وصدور المقرّبين ، وشهرته تغني عن تعريفه .
مات بتلمسان ودفن بها ، وقد ناهز الثمانين وقبره ثم ظاهر يزار ، وكان سبب دخوله تلمسان أنّ السّلطان لما أبلغه خبره أمر بإحضاره من بجاية ؛ ليتبرّك به ، فلما وصل إلى تلمسان قال : ما لنا وللسّلطان الليلة نزور الإخوان ، ثم نزل واستقبل القبلة وتشهّد ، وقال : ها قد جئت ، ها قد جئت ،وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى[ طه : 84 ] ، ثم قال : اللّه الحيّ وفاضت روحه .
قال الشيخ أبو الحجّاج الأقصري : سمعت شيخنا عبد الرزاق يقول : لقيت أبا العباس الخضر رضي اللّه عنه فسألته عن شيخنا أبي مدين فقال : إمام الصديقين في هذا الوقت ، وكان رضي اللّه عنه جميلا ظريفا متواضعا زاهدا ورعا ، محقّقا مشتملا على كرم الأخلاق ، واجتمعت المشايخ على تعظيمه وإجلاله ، وتأدّبوا بين يديه .
ومن كلامه : ليس للقلب إلّا وجهة واحدة متى توجّه إليها حجب عن غيرها .
وكان يقول : الخالي من الأنس والشّوق فاقد المحبّة .
وكان يقول : إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره .
وكان يقول : الفقر نور ما دمت تستره ، فإذا أظهرته ذهب نوره .
وكان يقول : الحضور مع اللّه جنّة ، والغيبة عنه نار ، والقرب منه لذّة ، والبعد منه حسرة ، والأنس به حياة ، والاستيحاش منه موت .
وكان يقول : الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق تعالى .
وكان يقول : من نظر إلى المكونات نظرة إرادة وشهرة حجب عن العبرة فيها والانتفاع بها .
وكان يقول : من عرف أحدا لم يعرف الأحد ، والحق تعالى ما بان عنه أحد : أي من حيث العلم والقدرة ، ولا اتصل به أحد : أي من حيث الذات والصفات .
وكان يقول : من لم يصلح لمعرفته شغله برؤية أعماله ، ومن سمع منه بلّغ عنه .
وكان يقول : من خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة تدعوه إلى ذلك فهو مفتون ، وكل من رأيته مع اللّه يدّعي حالا لا يكون على ظاهره منه شيء فاحذروه .
وكان يقول : من قطع موصولا بربه قطع به ، ومن أشغل مشغولا بربه أدركه المقت . -