الماء ومرّ عليها ، ووضع الشيخ عقيل المذكور سجادته وجلس على الماء ، فغاص في الماء ، فلم يشعروا به إلا على البر من الجانب الآخر ، ولم يبتل منه شيء ، فذكروا ذلك لشيخه فسأله فقال : عقيل من الغواصين ، وهو المسمّى بالطيار ؛ لأنه لما أراد الانتقال من قريته التي كان مقيما فيها ببلاد المشرق صعد إلى منارتها وطار والناس ينظرون ، فجاءوا فوجدوه في منبج .
وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم الشيخ أبو الحسن القرشي رضي اللّه عنه : رأيت أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كتصرف الأحياء : الشيخ عبد القادر ، والشيخ معروف الكرخي ، والشيخ عقيل المنبجي ، والشيخ حياة بن قيس الحراني ، رضي اللّه عنهم أجمعين .
الحكاية السادسة عشرة
عن الشيخ الأصيل أبي الخير ابن الشيخ الإمام أبي عمرو عثمان بن مرزوق القرشي « 1 » قال :
هامش
( 1 ) هو العالم العابد العارف الزاهد ، وكان ذا علم وفضل وخير وعدل ، وهمة بلغت في السلوك السماك ، وعزمة ليس لها عن الحزم انفكاك .
وهو من مشاهير مشايخ مصر ، وكان يفتي بها على مذهب الإمام أحمد رضي اللّه عنه وانتهت إليه الرياسة في طريق الصوفية ، وقصد لكشف منازلاتهم .
وكان لا ينكرها عليه أحد إلا بهت عند رؤيته وانجاب .
وقال : الاعتراف بولايته أولى وأليق بالصواب ، ما أنت ومكاثرة هذه الغمائم ومكابرة هذه السمائم ومنافخه هذه الكمائم ومناوحه هذه الحمائم .
ومن كلامه : لا سبيل لأحد معرفة كنه ذات الحق تقدس ، وإنما يصل الناس معرفته إلى الاعتبار بآياته ومصنوعاته .
وقال : لو تناهت الحكم الإلهية في حد العقول أو انحصرت القدرة الربانية في درك العلوم ، لكان ذلك تقصيرا في الحكمة ونقصا في القدرة .
وقال : من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه لمعرفته بأنها مأوى كل شر .
وقال : من لم يقدر على صحبة مولاه لقلة صبره عليه ابتلى بصحبة العبيد .
وقال : من تحقق بالرضا تلذذ بالبلاء .
وقال : من حلية العارف الخشية والهيبة .
وكان له ستمائة مريد ، فطلبوا منه أن يحدثهم بشيء من الحقائق فقال : لو تكلمت بكلمة واحدة منها أفتى بقتلى أعظمكم وأجلكم .
ومن كراماته : إنه كان يخرج من بيته بمصر بعد العشاء ، فيطوف بالبيت ويشرب من ماء زمزم ثم يزور المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ثم ببيت المقدس ثم يعود إلى بيته قبل الفجر .
وكان يتكلم بجميع اللغات ، وإذا أراد إنسان أعجمي أن يتكلم بالعربية أو عكسه تفل في فيه فيصير يعرف تلك اللغة .
وزاد النيل زيادة كادت مصر أن تغرق ، وثبت فلم ينزل ، فعزم أهلها على الجلاء وضجوا ، وفات وقت -