ويسكرني مدام الحب تهيا * ومن يصحو إذا شرب الخميا
وما خوفي من السّكر اختبالا * ولكن أن أبوح بسر ميا
فجودي وارحمي يا مي مضني * كواه هجرك والبعد كيا
ورقى لذلك أمسى كئيبا * من البلوى تسامره الثريا « 1 »
الحكاية الثانية والأربعون
عن الشيخ الجليل سلمان ابن الشيخ الكبير العارف باللّه أبي محمد ماجد الكردي « 2 » قال :
كنت عند والدي في خلوته ، ولم يكن فيها شيء يؤكل ولا يشرب . فخرج فجلس على بابها وأنا معه ، فقدم عليه عشرون رجلا ، فقال لي : يا سلمان ادخل هنا ، يشير إلى بيت الخلوة ، وائتنا بطعام ، ولم أستطع مخالفته ، فدخلت ودخل معي خادمان له وإذا فيها أوان مملؤة طعاما ، فأخرجناها فأتوا عليها جميعا حتى إذا لم يبق عليها شيء دخل علينا خمسة عشر رجلا ، فقال لي : يا سلمان ادخل هنا وائتنا بطعام ، فدخلت والخادمان معي فإذا فيها أوان كثيرة مملؤة طعاما غير الطعام الأول ، فأخرجناها وأكلوا ، ونظر والدي إلى الخادمان ، فوقعا على الأرض مغشيا عليهما ، فرفعا إلى منازلهما كالخشبتين لا ينطقان ، ولا يتحرك منهما سوى أعينهما ، فأقاما كذلك إلى أن جاءت أمهاتهما بعد زمان طويل ، يبكيان ويشكوان حال ولديهما ، فقال لي والدي :
هامش
( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 310 ) ، وسر الأسرار ( ص 340 ) .
( 2 ) هذا الشيخ من أعيان مشايخ العراق ، وأكابر العارفين ، وصدور المقربين ، وأئمة المحقيقين ، صاحب الكرامات الظاهرة ، والأحوال الفاخرة ، والمقامات الجليلة ، والرتب السامية ، والمواهب الجسيمة ، له الحقائق والمعارف ، والدقائق واللطائف ، وله التقدم في مراتب القرب ، والتصدر في منازل الحضرة ، والري من مناهل الوصل ، والسبق إلى حلية المعالي .
وكان له كلام نفيس على لسان أهل الحقائق منه :
قلوب المشتاقين منورة بنور اللّه ، فإذا تحرك فيها الاشتياق ، أضاء نورها ما بين السماء والأرض ، فيباهي اللّه عز وجلّ بهم الملائكة ، ويقول : أشهدكم أنني إليهم أشوق ، ومن اشتاق إلى ربه تبارك اسمه أنس ، ومن أنس طرب ، ومن طرب قرب ، ومن قرب سار ، ومن سار حار ، ومن حار طار ، ومن طار قرت عينه بالاقتراب ، فالزاهد يعالج الصبر والمشتاق يعالج السكر ، والواصل يعالج الولاية ، والشوق نار اللّه عز وجلّ تضطرم في قلوب الأحباب ، فلا تهدأ إلا بلقائه ، والنظر إليه ، ونار الهيبة تذيب القلوب ، ونار المحبة تذيب الأرواح ، ونار الشوق تذيب النفوس . وانظر : بهجة الأسرار ( ص 313 ) بتحقيقنا .