الثالث : روح الظفر . فإن الآمل إن لم يصحبه روح الظفر ، مات أمله . واللّه أعلم .
قال « الدرجة الثانية : شوق إلى اللّه عز وجل . زرعه الحب الذي ينبت على حافات المنن .
فعلق قلبه بصفاته المقدسة . فاشتاق إلى معاينة لطائف كرمه . وآيات بره ، وأعلام فضله . وهذا شوق تغشاه المبارّ ، وتخالجه المسارّ ، ويقاومه الاصطبار » .
الشوق إلى اللّه : لا ينافي الشوق إلى الجنة . فإن أطيب ما في الجنة : قربه تعالى ، ورؤيته ، وسماع كلامه ورضاه . نعم الشوق إلى مجرد الأكل والشرب ، والحور العين في الجنة ناقص جدا ، بالنسبة إلى شوق المحبين إلى اللّه تعالى . بل لا نسبة له إليه البتة .
وهذا الشوق درجتان :
إحداهما : شوق زرعه الحب الذي سببه الإحسان والمنّة . وهو الذي قال فيه « ينبت على حافات المنن » فسببه : مطالعة منة اللّه ، وإحسانه ونعمه .
وقد تقدم بيان ذلك في منزلة « المحبة » وتبين أن محبة الأسماء والصفات . أكمل وأقوى من محبة الإحسان والآلاء .
وفي قوله « تنبت على حافات المنن » أي جوانبه : إشارة إلى عدم تمكنها وقوتها ، وأنها من نبات الحافات التي هي جوانب المنن ، لا من نبات الأسماء والصفات .
وقوله « فعلق قلبه بصفاته المقدسة » يعني الصفات المختصة بالمنن والإحسان ، كالبرّ والمنان ، والمحسن ، والجواد ، والمعطي ، والغفور ، ونحوها .
وقوله « المقدسة » يعني المطهرة المنزهة عن تأويل المحرفين ، وتشبيه الممثلين . وتعطيل المعطلين . وإنما قلنا : إن مراده هذه الصفات الخاصة لوجهين :
أحدهما : أن تعلق القلب بالصفات العامة : إنما يكون في الدرجة الثالثة .
الثاني : أنه جعل ثمرة هذا التعلق : شوق العبد إلى معاينة لطائف كرم الرب ومننه وإحسانه ، وآيات بره . وهي علامات بره بالعبد ، وإحسانه إليه ، وكذلك « أعلام فضله » وهو ما يفضل عليه به ، ويفضله به على غيره .
قوله « وهذا شوق تغشاه المبار » يعني : أنه شوق معلول . ليس خالصا لذات المحبوب . بل لما ينال منه من المبار « فقد غشيته » أي أدركته المبار .
قوله « وتخالجه المسار » أي تجاذبه . فإن المخالجة هي المجاذبة . فإذا خالط هذا الشوق الفرح : كان ممزوجا بنوع من الحظ .
وقوله « ويقاومه الاصطبار » أي أن صاحبه يقوى على الصبر ، فيقاوم صبره شوقه ولا يغلبه ، بخلاف الشوق في الدرجة الثالثة .
قال « الدرجة الثالثة : نار أضرمها صفو المحبة ، فنغصت العيش . وسلبت السلوة . ولم ينهنهها معزى دون اللقاء » .
يريد : أن الشوق في هذه المرتبة : شبيه بالنار التي أضرمها صفو المحبة . وهو خالصها .
وشبهه بالنار لالتهابه في الأحشاء .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 685
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٨٥