حتى إذا روح الرجاء أصابه * سكن الحريق إذا تعلل باللقا
وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعائه « أسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك » .
قال بعضهم : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم دائم الشوق إلى لقاء اللّه . لم يسكن شوقه إلى لقائه قط . ولكن الشوق مائة جزء ، تسعة وتسعون له ، وجزء مقسوم على الأمة . فأراد صلى اللّه عليه وسلم أن يكون ذلك الجزء مضافا إلى ما له من الشوق الذي يختص به . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
تعريف الشوق
و « الشوق » أثر من آثار المحبة ، وحكم من أحكامها . فإنه سفر القلب إلى المحبوب في كل حال .
وقيل : هو اهتياج القلوب ، إلى لقاء المحبوب .
وقيل : هو احتراق الأحشاء . ومنها يتهيج ويتولد ، ويلهب القلوب ويقطّع الأكباد .
و « المحبة » أعلى منه . لأن الشوق عنها يتولد ، وعلى قدرها يقوى ويضعف .
قال يحيى بن معاذ : علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات .
وقال أبو عثمان : علامته حب الموت ، مع الراحة والعافية ، كحال يوسف لما ألقي في الجب لم يقل « توفني » ولما أدخل السجن لم يقل « توفني » ولما تمّ له الأمر والأمن والنعمة ، قال
تَوَفَّنِي مُسْلِماً
[ يوسف : 101 ] .
قال ابن خفيف : الشوق ارتياح القلوب بالوجد ، ومحبة اللقاء بالقرب .
وقيل : هو لهب ينشأ بين أثناء الحشى ، يسنح عن الفرقة . فإذا وقع اللقاء طفىء .
قلت : هذه مسألة نزاع بين المحبين . وهي : أن الشوق هل يزول باللقاء أم لا ؟ .
ولا يختلفون أن المحبة لا تزول باللقاء .
فمنهم من قال : يزول باللقاء . لأن الشوق هو سفر القلب إلى محبوبه . فإذا قدم عليه ، ووصل إليه ، صار مكان الشوق قرّة عينه به . وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها .
قال هؤلاء : وإذا كان الغالب على القلب مشاهدة المحبوب ، لم يطرقه الشوق .
وقيل لبعضهم : هل تشتاق إليه ؟ فقال : لا . إنما الشوق إلى غائب . وهو حاضر .
وقالت طائفة : بل يزيد الشوق بالقرب والوصول ، ولا يزول . لأنه كان قبل الوصول على الخبر والعلم ، وبعده : قد صار على العيان والشهود . ولهذا قيل :
وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الخيام من الخيام
قال الجنيد : سمعت السري يقول : الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه . وإذا تحقق في الشوق ؛ لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه ، وعلى هذا : فأهل الجنة دائما في شوق إلى اللّه ، مع قربهم منه ورؤيتهم له .
قالوا : ومن الدليل على أن الشوق يكون حال اللقاء أعظم : أنا نرى المحب يبكي عند لقاء محبوبه . وذلك البكاء إنما هو من شدة شوقه إليه ، ووجده به ، ولذلك يجد عند لقائه نوعا من الشوق ، لم يجده في حال غيبته عنه .