ومن جرب هذا عرف قدر منفعته وعظمها . وساء ظنه بما يحسن به الغافلون ظنونهم من كثير من كلام الناس .
قوله « وليست شيئا يملك » .
يعني هي موهبة من اللّه تعالى ليست بسببية ولا كسبية . وليست كالسكينة التي كانت في التابوت تنقل معهم كيف شاؤوا .
وقوله « تلقى على لسان المحدث الحكمة » أي تجري الصواب على لسانه .
وقوله « كما يلقي الملك الوحي على قلوب الأنبياء » عليهم السلام .
يعني : أنها بواسطة الملائكة . بحيث تلقي في قلوب أربابها الحكمة عنهم . والطمأنينة والصواب . كما أن الأنبياء تتلقى الوحي عن اللّه بواسطة الملائكة . ولكن ما للأنبياء مختص بهم ، ولا يشاركهم فيه غيرهم . وهو نوع آخر .
وقوله « تنطق المحدثين بنكت الحقائق ، مع ترويح الأسرار وكشف الشبه » .
قد تقدم في أول الكتاب : ذكر مرتبة المحدّث ، وأن هذا التحديث من مراتب الهداية العشرة ، وأن المحدث هو الذي يحدّث في سره بالشيء ، فيكون كما يحدث به ، و « الحقائق » هي حقائق الإيمان والسلوك ، و « نكتها » عيونها ومواضع الإشارات منها . ولا ريب أن تلك توجب للأسرار روحا تحيا به وتتنعم ، وتكشف عنها شبهات لا يكشفها المتكلمون ولا الأصوليون .
فتسكن الأرواح والقلوب إليها ، ولهذا سميت « سكينة » ومن لم يفز من اللّه بذلك ، لم تنكشف عنه شبهاته ، فإنها لا يكشفها إلا سكينة الإيمان واليقين .
قال : « السكينة الثالثة : هي التي نزلت على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقلوب المؤمنين . وهي شيء يجمع قوة وروحا ، يسكن إليه الخائف ، ويتسلى به الحزين والضجر ، ويسكن إليه العصيّ والجريء والأبي »
هذا من عيون كلامه وغرره الذي تثني عليه الخناصر ، وتعقد عليه القلوب ، وتظفر به عن ذوق تام . لا عن مجرد .
فذكر : أن هذا الشيء الذي أنزله اللّه في قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقلوب عباده المؤمنين يشتمل على ثلاثة معان : النور ، والقوة ، والروح .
وذكر له ثلاث ثمرات : سكون الخائف إليه ، وتسلي الحزين والضجر به ، واستكانة صاحب المعصية والجرأة على المخالفة والإباء إليه .
فبالروح الذي فيها : حياة القلب . وبالنور الذي فيها : استنارته ، وضياؤه وإشراقه . وبالقوة :
ثباته وعزمه ونشاطه .
فالنور : يكشف له عن دلائل الإيمان ، وحقائق اليقين . ويميز له بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والغي والرشد ، والشك واليقين .
والحياة : توجب كمال يقظته وفطنته ، وحضوره وانتباهه من سنة الغفلة ، وتأهّبه للقائه .
والقوة : توجب له الصدق ، وصحة المعرفة ، وقهر داعي الغيّ والعنت ، وضبط النفس عن جزعها وهلعها ، واسترسالها في النقائص والعيوب ، ولذلك ازداد بالسكينة إيمانا مع إيمانه .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 642
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٤٢