أيّ حق لآبائك عليّ ؟ ألست أنا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم ، ولي الحق عليهم » ؟ .
وأما حقوق العبيد على اللّه تعالى : من إثابته لمطيعهم ، وتوبته على تائبهم ، وإجابته لسائلهم : فتلك حقوق أحقها اللّه سبحانه على نفسه ، بحكم وعده وإحسانه لا أنها حقوق أحقوها هم عليه ، فالحق في الحقيقة للّه على عبده ، وحق العبد عليه هو ما اقتضاه جوده وبره ، وإحسانه إليه بمحض جوده وكرمه ، هذا قول أهل التوفيق والبصائر ، وهو وسط بين قولين منحرفين ، قد تقدم ذكرهما مرارا . واللّه سبحانه أعلم .
وأما قوله « أو لا ينازع له اختيارا » .
أي إذا رأيت اللّه عزّ وجلّ قد اختار لك أو لغيرك شيئا - إما بأمره ودينه ، وإما بقضائه وقدره - فلا تنازع اختياره ، بل ارض باختيار ما اختاره لك ، فإن ذلك من تعظيمه سبحانه .
ولا يرد عليه قدره من المعاصي . فإنه سبحانه - وإن قدرها - لكنه لم يخترها له ، فمنازعتها غير اختياره من عبده . وذلك من تمام تعظيم العبد له سبحانه . واللّه أعلم .
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الإلهام ، والإفهام ، والوحي ، والتحديث والرؤيا الصادقة » .
وقد تقدمت في أول الكتاب عند الكلام على مراتب الهداية . وذكرنا كلام صاحب المنازل هناك .
منزلة السكينة
ومن منازل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
، منزلة « السكينة » .
هذه المنزلة من منازل المواهب . لا من منازل المكاسب . وقد ذكر اللّه سبحانه « السكينة » في كتابه في ستة مواضع :
الأولى : قوله تعالى :
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
[ البقرة : 248 ] .
الثاني : قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ التّوبة : 26 ] .
الثالث : قوله تعالى :
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها
[ التّوبة : 40 ] .
الرابع : قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
[ الفتح : 4 ] .
الخامس : قوله تعالى :
* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
[ الفتح : 18 ] .
السادس : قوله تعالى :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ الفتح : 26 ] الآية .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة .
وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه ، تعجز العقول عن حملها - من محاربة